بعد حرب النكسة.. قدمت الأمة العربية بأسرها رئيس الوزراء السوداني ووزير الخارجية للحديث باسمها في قاعة الأمم الممتحدة. في وقت كان الحس السوداني عامرا بالمنافحة والمدافعة والذهن متفتق بالمرافعة.. وحديث المحجوب يعقبه المدح والاطناب من الجميع.. ووزير الخارجية البريطاني ساعتها يشد على يديه قائلا اني أحسد السودان عليك في دبلوماسيتك ولغتك التي فاقتنا دراية وفصاحة.. إننا نتعقب دائما ادوارك ونطلق عليك في بلادنا الانجليزي الأسود.
ربما كان ذلك في زمان مضى، اكتفينا نحن السودانيون فيه بالفخر والتحسر في وقت لم تجد تجاذبات الانتماء طريقها للتفريق بين بني الوطن الواحد. فوجدت العقول مبتغاها في شتي ضروب المعرفة. وصاغت واقعا يعتبر نموذجا في المثالية والوطنية الصادقة. اننا نذكر تلك العقول بواقعها كما قلت بشيء من الفخر والتحسر.. فقد بات عسيرا ان يعود ذلك الزمان بواقعه وشخصياته في واقعنا الحاضر.. فقد تغول الانتماء على العقول فغيبها بدواعي الابعاد والهجرة.. فغدا الفخر به على التميز خارج نطاقنا، بالعبقرية والابتكار والسمعة الطيبة.
والأخبار تنقل لنا يوميا ذلك التميز لأبناء وطننا خارج حدود بلادنا وفي شتي المجالات وهو تميز ليس جديدا عليهم.. ولكن كما قلت فإن راهن الأوضاع وما تعانيه البلاد كان فوق احتمالهم فآثروا الهجرة على عدم التقييم اللازم لهم بدواع شتى أقلها الواقع الاقتصادي والسياسة. وعندما تستفهم الكاتبة بثينة خليفة عن ان بلادنا تحوي الكثير من العقول ولكن تصطدم اجابتها بواقعنا من تدن في كل شيء جعل استفهامها مباحا على واقعيته.. فقد غابت العقول بدواعي الاقتصاد والانتماء.. وبديهيا فإن اولئك لن يلتقيا وبالتالي كان ذلك الفراق الوامق ما بين الإبداع والسياسة.
يزخر واقعنا بنماذج حية على امتداد الماضي والحاضر فقد جافى الانتماء السياسي قديما تلك العقول بفعل الاعتدال السياسي- السائد حينها - الذي يرى في الابداع والتميز نصيرا للسياسة وإن اختلفت الميول وتنوعت.. فإبدع اولئك على ذلك الحيز المباح. وأضافوا لتميزهم رفعة لشأن بلادهم في شتى ضروب المعرفة.. فتجاوز الانجاز الفرد بكينونته ليصب في معين البلاد بتفرده وتطوره.. ولكن في واقعنا إن الهجرة استوعبت كثيرين كنا حتما سنجعل بهم بلادنا فخرا ومجدا.
استفهام الكاتبة بشأن واقعنا وعقولنا هو استفهام يتشارك فيه كثيرون من خارج بلادنا وهم يرون بأعينهم التميز والنبوغ السوداني وهو يرفد العالم من حولنا بتلك العقول النيرة التي يفيدون بها غيرهم ويحرمون منها بلادهم وما دروا ان للسياسة الكفل الأكبر مما يجري ويحدث. فمنذ امد بعيد ولجت الملعونة في واقعنا بضروبه فأفسدته.. فغابت الكفاءة وتسربت الخبرات بدواعي التحزب وأضحت الموالاة تقرب كثيرين وإن ضعف مردودهم وإنتاجهم، فخلق ذلك فجوة، ظهرت افرازاتها وبانت آثارها في كل المرافق الحيوية رغم تطاول السنين. وحتى الرتق المتوالي لإصلاح ذلك الخلل بات قابلا للفتق من جديد في ظل التخبط وفقدان العقول المؤهلة.
أضحى واقعنا ينتابه التحسر على ما مضى، ربما يرون في الماضي والركون لتجربته عوضا وفخرا عن ما يعتور واقعهم الحاضر من ضبابية وغموض للرؤية وبات الانشغال بالسياسة سيد الموقف. ربما يكون خصما علي الانتاج فما يمس الواقع من تطورات يحسبه الكل أن له رصيدا منها في التناول والتداول. للتضييق على بلادنا كفل مما يجري من هجرة وطلب رزق، وما تجود به البلدان من عروض وحوافز أيضا نصيب.. لكن لا يزال للأمل حيز بعودة تلك العقول وانخراطها في الواقع اصلاحا وتطورا وعودة البلاد سيرتها الأولى.. لكن يبقى ذلك الشرط “عسيرا” في التحقق الآني. فما بين السياسة بفقهها والإبداع جفاء بين وعداء ملحوظ في دول العالم الثالث وليست بلادنا نشازا.