العدد 1679
الإثنين 20 مايو 2013
مذكرات (صحافي) من الهواية إلى الاحتراف (6) مهدي إبراهيم
مهدي إبراهيم
الإثنين 20 مايو 2013

أغلق المدعو (رئيس التحرير) كل الأبواب أمامي عندما حدثته بأني أريد فرصة معهم لألتحق بالجريدة صحافيا ولكنه رفض وقال ليست لدينا فرص.. انتهت المقابلة وأدار وجهه عني دون أن يدعوني للتفضل والجلوس فقد كنت أتوقع أن يسر بلقائي مفسحا لي حيزا ومكانا ولكنه قابلني بجفاء ظاهر وغرور بائن وكأنه وحيد عصره وسلطان زمانه (انتهت المقابلة) هكذا. رمقته بنظرة حادة كان قلبي ساعتها ينطق بالباطن بأننا سنلتقي يوما وأذكره بما قد نسي.. وانتهت المقابلة وحينها توقفت كتاباتي بإيعازه وعندما دخلت على المستشار حيدر أشكو اليه عدم نشر مقالاتي عرض علي ورقة تحوي أسماء الكتاب ولست منهم وقال لي عفوا لا يوجد لدينا يوم لنشر كتاباتك فالجدول يمتلئ على آخره والفرصة تأتيك إذا اعتذر أحدهم ولا أظن واحدا منهم سيعتذر (إتفضل) هكذا قالها بأسلوب طرد (مغلف) فخرجت من عنده دون أن أناقشه فقد كان القصد واضحا والهدف بينا عندها أدركت كما قلت سوء تلك النفوس، فالعراقيل لا تكتفي لإسقاطك فحسب بل لتدميرك معنويا تارة بعدم النشر وتارة بقفل الطريق أمامك حتى تدع المسير فيه الى طريق آخر وصممت على السير في الدرب الى غايته حتى أصل الى شاطئه الآمن.
كنت أحيانا أسائل نفسي هل أنا مستعجل على المطالبة بحقوقي ولكني كنت أجد لنفسي العذر في أني أريد أن أستمر مع الصحافة وواقع الحياة يفرض على النفوس حينا ما ليس في نياتها ولكن سفرت الوجوه عن صفات وطبائع وخصال لم أكن أتوقعها في أولئك فقد أحزنتني ودفعتني لتحفيز نفسي وجعلتني أكتب وأكتب الى أن يشاء الله لي الظهور والشهرة يوما.. كنت أتذكر الكاتب الأيرلندي برناردشو الذي منعت الصحف نشر كتاباته فزاده عزما وصار يكتب كل يوم خمس صفحات كاملة لا ينقصها حرفا ولا يزيدها كلمة حتى كتب الله له الظهور فامتلك ناصية القلم وصار يتقاضى على الكلمة الواحدة فقط مبلغا من المال.
هكذا واقع الصحافة الكل بداخله يعاني والعاملون فيه يكاد تمر الشهور دون أن يتقاضوا مليما واحدا فتارة يعبرون عن ذلك بالإضراب ولكن أصحاب الحوجة منهم لدى الجريدة قد (يخدرون) بمرتب شهر أما الآخرون فيلجأ مالك الجريدة ورئيس تحريرها للاستعانة بالمتدربين لسد النقص وللي عنق المضربين حتى يجبرهم فك اعتصامهم وبعد ذلك المماطلة في دفع رواتبهم ومتأخراتهم.. قلت لأحدهم أليست تلك حكومة مصغرة ينبغي أن يراعي فيها قادة الصحف العدل في موظفيهم قبل أن ينصبوا قلمهم للدفاع عن حقوق المواطن واتهام الحكومة بالظلم والإجحاف فالعدل المنشود لا يتحقق بذلك وإنما ينبغي أن يكون واقعا معاشا وعندما نضمن ذلك سنضمن للسلطة الرابعة سلطتها وأقلامها المدافعة ولكن أن نهضم حق من تحتنا وهم مواطنون لدى حكومة تسمى سلطة الصحيفة وننطلق لرد الظلم للمواطن فهذا من هوان الصحافة ومن هوان كتابها ومن غياب السلطة الرقابية التي تحتم للحكومة الاستماع إليها نظرا لإجحاف أهل السلطة في حق منسوبيهم.
عدت لصحيفتي الأولى أكتب من جديد.. تناسيت كل ما مضى معي من مدير تحريرها فتارة ينشر لي وتارة لا ينشر وعدم النشر يعني أن مقالي ملغي وحتى إن نشر لا يكون ذا أهمية نسبة لتسارع حدة الأحداث بالبلاد كما قلت لاحقا.. أخذت وقتا أراقب تلك التصرفات ويعتمل قلبي حزنا وغيظا في آن واحد مما يجري فالمقال هو عبارة عن فكرة تستجمع كل خيط فيها لتكتمل الخيوط بلوحة زاهية تعكس الحال وتعبر عن السؤال وتبحث عن الإجابة وبعد كل ذلك يعمد أحدهم الى عدم نشره بدواعي مزاجه فيسقط من يدك وتمتلئ حنقا والغريب في الأمر أن مدير التحرير لا يبادلني السلام حتى وإن جاءت به الصدفة الى مكاني يتجاهلني ترى ماذا فعلت معه في حين أني أدعم الصحيفة بالمقال ولا تدعمني بالمال وأحيانا تمر علي الأيام ولا أملك حتى نقود المواصلات التي تقلني الى الصحيفة ولكني صممت على عدم سؤاله إلى أن يحين وقته وقررت أن أكتب رغم ما يعتمل في صدري جراء إلغاء المقالات.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية