الخبر الذي نشر عن طائرة التجسس الإيرانية، والتي رصدتها وزارة الداخلية لم تكن موجهة إلى البحرين، بل هي كانت تعبر الأجواء متوجهة إلى الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، في محاولة إيرانية يائسة للعب دور “جيمس بوند” على طريقة المسلسلات المدبلجة.
بالنسبة للبحرين فنحن “ولله الحمد” لا تحتاج إيران إلى طائرة للتجسس علينا، كون البحرين أصبحت كتابا مفتوحا، بل مفضوح لإيران، بفضل مئات الأشخاص الذين “تبرعوا” لأن يكونوا عين إيران في الداخل البحريني، فالتقارير المشفرة والملفقة ناهيك عن الأسفار على الدرجة الأولى واللقاءات السرية والعلنية على حد سواء معروفة، ونعلم أن كل شيء يصل طهران حتى “عفطة العنز”.
المشكلة أن هؤلاء البشر يتميزون بغباء واضح، أو ربما ليس غباء وإنما التعامل بعنجهية المجاهر بالمعصية، وإلا ما معنى أن يكلف عبداللهيان خاطره ويتحدث عن عيسى قاسم، بل ويهدد من أجله ويفرد عضلاته، في محاولة غبية إلى فرض حصانة على شخصية لا رابط بينهما في الظاهر سوى الرباط المذهبي، ما يجعل من “الاتهامات” السابقة والتي سيقت إبان أزمة فبراير 2011 من “التواطؤ” و”العمالة” تقترب من الحقيقة، حتى وإن نفى “قرءانهم” المسمى “تقرير بسيوني” ذلك، على طريقة “يكاد المريب يقول خذوني”، أو بمعنى آخر “اللي على راسه بطحة يتحسسها”.
عملية دهم بيت عيسى قاسم كانت فرصة أو ربما صدفة سانحة، أخرجت ما كانوا يظنونه مكنونا، حيث إنني قد أتفهم غضب الحوزات الدينية أو بعض الشخصيات الدينية الداخلية والخارجية على حد سواء، لالتقاء الطرفين في قاسم مشترك، ولكني لا أتفهم أبدا محاولة قلب المسألة إلى مشكلة دبلوماسية بين بلدين في شأن داخلي بحت، مع “مواطن” بحريني، إلا إذا كان ذاك “المواطن البحريني” يمثل عملا مختلفا عما هو ظاهر أمام الناس، حتى وإن كان وكيلا لرأس الدولة الإيرانية، فهو وكيله في الأمور الشرعية كمرجعية دينية وليس وكيلا له بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة، فإن هو ظن في نفسه ذلك فقد سقط في المحظور.
المشكلة هنا في مزج المقدس بالمدنس، فالدين يمثل الطهر والقداسة، وهذان الأمران لا يلتقيان مع دنس السياسة أبدا، وهذا ما سقط فيه عبداللهيان الذي “تبرع” من نفسه لتأصيل ما يحاول غيره نفيه، وهو يعلم كما يعلم الجميع أن بين البلدين “مطارق الحداد”، ومن المعروف أن “عبداللهيان” هذا لا يتحدث من تلقاء نفسه، فكلماته تمثل المنصب الذي يشغله في الدولة التي يتحدث باسمها، وهنا أتوقع أنه وضع من يدافع عنه في “خانة إليك” وهو يحسب أنه يحسن صنعا.
يبدو أن الانتخابات الرئاسية قد أجبرت النظام الإيراني على خلق ملهاة، إلا أنها لم تفلح، فالخرق لا يمكن رتقه، وفضائح الداخل أكثر سوادا من التهويش باتجاه الخارج، والتعاون الخفي مع “الشيطان الأكبر” أصبح مفضوحا حتى وإن “لطلط” اللسان بـ “الموت لأمريكا”.
أعود فأقول هنا، بل أحذر، بل إني والله أقرر واقعا، الدولة مخترقة، والترقيع لا يفيد، وبات استبدال الثوب ضرورة، وإيران لن تكف مناوشاتها ومحاولاتها، وهي مع البحرين تتعامل بفضائحية سمجة لا حاجة لها لطائرة تجسس، فالمعلومات تصل أولا بأول وأسرع من طائرة “إف 16”.