العدد 2077
الأحد 22 يونيو 2014
عمال النظافة هدى هزيم
هدى هزيم
الناس
الأحد 22 يونيو 2014


أكثر ما يؤلمني في أشهر الصيف الحارة منظر عمال النظافة وهم يكنسون تحت أشعة الشمس الحارة، وفي درجة رطوبة عالية خانقة، لا نتحملها نحن لمجرد دقائق قليلة. شريحة مهمة تعمل على خدمتنا، ولولاهم لما طقنا العيش لحظة واحدة، تخيلوا كيف حال مدننا وشوارعنا دونهم، هؤلاء العمال لهم حق الاحترام والتقدير والرحمة في قلوبنا وتعاملنا.
وافدون بؤساء أجبرتهم ظروف حياتهم وبلدانهم الفقيرة للاغتراب والعمل بهذه المهنة، يستيقظون وقت الفجر ويعملون حتى آخر اليوم، وفي ساعة الظهر ينامون في الطرقات مستظلين تحت الأشجار وكراجات المنازل الخارجية لأخذ قسط من الراحة. البعض ينظر إليهم نظرة دونية، والبعض يحترمهم ويشفق عليهم، مع أن عملهم شريف واختلاف الطبقات بين الناس سنة من سنن الله الكونية لا تتبدل أبداً لقوله تعالى “نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سُخريا ورحمتُ ربك خير مما يجمعون”. وكلمة سُخريا تعني التسخير، أي يقوم بعضهم بخدمة بعض. فذلك قدرهم، وليس ذنبهم ما هم عليه من فقر وحاجة.  والله إني أراهم أكثر رقياً وأدباً من بعض البشر، طباعهم معروفة، الهدوء والصبر والابتسامة في وجوهنا والمبادرة بالسلام وإلقاء التحية رغم إنهاكهم في العمل. الحقيقة أن عامل النظافة متساو مع الطبيب والمهندس والمدرس، فكلهم أصحاب مهن لا غنى عنها وهم متساوون في الكرامة والحقوق، لكن للأسف مجتمعاتنا العربية والخليجية ظالمة لهذه الفئة، ولا تقدرها كما يجب. في اليابان يعيش عامل النظافة حياة كريمة، ومن المعيب مناداته بعامل النظافة لما فيها امتهان لقدره، ويسمى “مهندس الصحة والنظافة” وينظر إليه كشخص مسؤول عن صحة المدينة؛ لدوره الكبير في الصحة والبيئة. ويخضع العامل لاختبارات عدة؛ لاثبات قدرته على العمل، ويحصل على شهادة تؤكد صلاحيته للعمل، ويحصل على راتب جيد مقابل ما يتعرض له في مهنته، ويسكن في منزل كامل الخدمات، ويمتلك سيارة خاصة به، وفي ألمانيا حظي عمال النظافة على المركز الأول من بين المهن التي نالت تقدير سكان مدينة “برلين”، وفاق تقديرهم للأطباء؛ نظراً لأهمية عملهم وصعوبة قبول المهنة من أي شخص. وفي الصين صنعوا تمثالا لعامل النظافة. بينما عمال النظافة في بلداننا لا يملكون قوت يومهم، ويعيشون في منازل مهدمة دون كهرباء وخدمات، يبذلون جهدا كبيراً مقابل أجور ضئيلة وحقوق مهدورة، ورغم مخاطر المهنة واحتمال إصابتهم بالأمراض الخطيرة، فهم محرمون من التأمين الصحي والتقاعدي.  في اليمن انتفض عمال النظافة بسبب أوضاعهم المادية المزرية حتى نالوا حقوقهم وحظوا باحترام مجتمعهم، لا ندعو لانتفاضة عمالية، وهم وافدون وليسوا مواطنين كحال بعض الدول، ولكن نطالب بأن ينظر لهم بعين الرحمة، وتحسين أوضاعهم السكنية والمادية والصحية بما تقتضيه القوانين والأعراف وحقوق الإنسان، سواء كانوا عمالا تابعين لجهات حكومية أو قطاعا خاصا. هل فكر أحد منا يوما فيهم، كيف يعملون ومتى يبدأ عملهم وينتهي وما هي مشاكلهم في العمل؟ تلك مبادرة إنسانية قبل أن تكون واجبا تقتضيه تعاليم ديننا وقوانينا، نأمل أن يحظوا بالاحترام والرعاية وفق الأطر الاقتصادية والقانونية في البحرين ودول الخليج، وأن ينالوا كامل حقوقهم ورفع رواتبهم المتدنية جداً لمستوى معقول ومرض يعكس حضارة البحرين وقيمنا الإسلامية. وقبل أيام وفي موقف إنساني كبير من قبل صاحب مطعم في مدينة الرياض، قام بتوفير وجبة إفطار مجانية كل يوم بعد الفجر لعمال النظافة؛ لأنهم ينطلقون للعمل دون وجبة إلى حين ساعات الظهر، لفتة إنسانية نأمل أن يحذو حذوها أصحاب المشاريع ورجال الأعمال في البحرين. وندعو المسئولين بالقطاع العام والخاص إلى إعادة النظر في ساعات الدوام وفترات الراحة لعمال النظافة خلال أشهر الصيف الحارة؛ كونهم وافدين ومن دول فقيرة لا يعني ذلك استغلالهم والقبول بأوضاعهم المزرية في العمل والمعيشة. ونحن مقبلون على شهر رمضان، نناشد أصحاب القرار بتغيير ساعات عملهم خصوصا المسلمين منهم، كما نناشد جميع الجهات الخيرية والأهلية بتقديم التبرعات لهم من ملابس وأطعمة ومكيفات، وحبذا لو بادر كل بيت بتوفير وجبة لعامل النظافة في منطقته، كما فعل أحد فاعلي الخير بمنطقة الحد بوضع ثلاجة أمام بيته، ودعا أهل الحي لتجميع الطعام فيها للعمال والعاملين بالطرق. ارحموهم وعاملوهم بالحسنى يرحمكم الله.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .