الأرقام الفلكية لنسب الطلاق في البحرين، تستدعي وقفة عاجلة من قضاة شرعيين وعلماء دين واجتماع وتربية وجهات رسمية وأهلية مختصة بشؤون الأسرة.
نحتاج إلى مبادرات وخدمات عديدة تتصدى للظاهرة، كإجراء وقائي يمنع حدوث الطلاق ويصلح ذات البين، مثل مراكز الإرشاد والتوجيه الأسري، ودورات توعية للمقبلين على الزواج، هذه الخدمات متوفرة لكنها محدودة ولا تتناسب مع نسب الزواج والطلاق.
وسبق أن كتبت عن أهمية وجود تشريع يلزم المقبلين على الزواج دخول دورات توعوية عن الحياة الزوجية في كافة شؤونها. التجربة أثبتت نجاحها في كثير من الدول وأسهمت في تقليل نسب الطلاق.
مكاتب الإرشاد الأسري هي أحد الإجراءات الوقائية، لكنها بحاجة إلى تطوير وتوسيع خدماتها. نقترح إنشاء وحدات متخصصة بهذه المراكز في مجال الاستشارة القانونية، والدعم النفسي والمعنوي.
كل فرد بالأسرة، أثناء وبعد مرحلة الطلاق يحتاج إلى دعم نفسي ومعنوي؛ ليتخطى هذه المرحلة الصعبة، وتوجيهه في كيفية بدء حياة جديدة ومسامحة الطرف الآخر، والنظر بإيجابية للمستقبل، وتعلم مهارات التسامح والتعاون مع الطرف الآخر من أجل حياة مستقرة للأطفال. قد يرى الكثيرون استحالة ذلك! ليس صعباً وممكن تحقيقه بكل يسر إذا احتكم كل طرف لعقله وتعاليم دينه وتعامل بخلق مع الطرف الآخر. الوعي إجراء وقائي وسبيل مؤكد لتقليل نسب الطلاق، الوعي بالحقوق والواجبات وحقيقة الحياة الزوجية المبنية على المودة والرحمة، قيم للأسف مفقودة بين جيل اليوم، المعروف بنظرته القصيرة والمادية وضعف الوازع الديني، وانعدام ثقافته بمتطلبات الحياة الزوجية والتزاماتها. إذا عالجنا ذلك القصور والخلل البيّن أعتقد أننا سنحل نصف المشكلة. المجلس الأعلى للمرأة يقدم خدمة الإصلاح الزوجي والإرشاد الأسري والاجتماعي والنفسي لأفراد الأسرة الذين يعانون من ضغوطات ومشاكل أسرية. ويحاول مركز دعم المرأة بالمجلس من خلال جهوده التصدي لرغبات الطلاق، وإصلاح ذات البين. وفي حال استحالة الحياة الزوجية، يقوم المركز بتقديم استشارات قانونية وإرشادات حول “الطلاق الاتفاقي الآمن” وهو إنهاء العلاقة الزوجية برضا وموافقة الطرفين للحد من الأضرار المادية والمعنوية الواقعة على الزوجين والأبناء، حيث يتم الاتفاق على حقوق وواجبات كل طرف بما لا يتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية ومصلحة الأبناء بطريقة قانونية تتضمن أمورا مثل قيمة النفقة والمسكن وحضانة الأبناء، وتنظيم الزيارات، وبإمكان الطرفين تقديم الاتفاقية للمحكمة الشرعية المختصة لتصديقها ومنحها قوة السند القانوني.
ومن أجل أسرة آمنة ومستقرة، لابد من تكثيف هذه الجهود وتوسعتها في جميع المحافظات؛ لتوفير خدمات إرشادية وقانونية ونفسية، في جانب حل المشاكل الأسرية والتغلب عليها وصولا إلى حلول مرضية بين الطرفين منعا لوقوع الطلاق، والجانب الآخر الأكثر أهمية، كيفية إدارة مشكلة الطلاق، وأنه لا يعني بالضرورة وجود مشاكل وصراعات مستمرة بين الطليقين يدفع ثمنها الأولاد، بل العكس من أجل مصلحتهم، لابد من كلا الطرفين الحفاظ على مستوى من التفاهم والاحترام المتبادل بينهما، ومحاولة الاتفاق بالشكل الودي والقانوني على حقوق وواجبات كل طرف نحو الآخر والأبناء، فدخول قاعات المحاكم لا يعني وجوب الكره والصراع وتعمد الإساءة بين الزوجين. لو نجحنا في توعية جيل اليوم حديثي الزواج، لتفادينا كثيرا من المشاكل والقضايا بالمحاكم؛ لأن الصراعات والخلافات المستمرة قبل الطلاق وبعده لن يستفيد منها أحد، بل العكس تترك آثارا نفسية واجتماعية مدمرة على الطرفين، وتخلق حالة من الرعب والخوف والألم لدى الأبناء تؤدي في نهاية المطاف إلى انحرافهم.
كل تلك المعاناة والمأسي لا داعي لها، إذا راعى كل طرف حق الطرف الآخر مهما كان بينهما من كره وخلاف. ووضع مصلحة الأبناء بالمقام الأول.
الأنانية والانتقام وبث الكره والعداوة في قلوب الأبناء والإساءة للطرف الآخر، للأسف هو الطريق السائد بين الأزواج المتخاصمين والمطلقين. هذه بحد ذاتها مشكلة مستعصية، تحتاج إلى نشر ثقافة احترام كيان الأسرة وحقوق وواجبات أفرادها، من خلال المناهج التعليمية، وخطب المساجد وبرامج توعوية مستمرة في مراكز تجمع الشباب.
ورغم انتشار نماذج الطلاق الفاشل، فهناك نماذج ناجحة لمطلقين ومطلقات، استطاعوا بحكمتهم أن يعبروا جسر الطلاق بأمان ويبدأوا حياة جديدة دون ضرر، ومدوا جسرا للتفاهم والتواصل بينهما لمتابعة مصالح الأولاد وتربيتهم وتقليل الضرر النفسي والاجتماعي الواقع عليهم لا محالة.
رسالة نأمل أن يعي قيمتها وأثرها البالغ على الأسرة والمجتمع بأكمله، الشباب المقبل على الزواج والأزواج المقبلين على الطلاق.
رد بنك الأسرة:
وردني توضيح من بنك الأسرة بخصوص مقالي الأخير “منتوجاتي”، بأن بنك الأسرة طرح مشروع منتوجاتي لتمكين كمبادرة تعاونية لتشجيع عملاء البنك الحاصلين على مبالغ تمويلية لتطوير مشاريعهم، ومن خلال التعاون المشترك تقوم تمكين بدعم المشروع، ويتولى البنك الإدارة اللوجستية للمشروع. لذا وجب التنويه.