غزة تحتضر والعالم ينتظر إعلان وفاتها على يد الغاصب الإسرائيلي، هذا هو ملخص المشهد المأساوي المخجل الذي تدوره فصوله في غزة حاليا، وهو مشهد جديد قديم يتكرر بين فترة وأخرى بتفاصيل أكثر بشاعة وأشد قسوة على من هم داخل قطاع غزة، لكنها أشد برودة وأكثر اطمئنانًا لمن هم خارج هذا القطاع “المصاب”.
لم نكن نتصور في يوم ما أن يظهر علينا أناس يعلنون وبكل “فجور” تضامنهم مع المجرم بنيامين نتنياهو، ويدعون له بالنصر على أهالي غزة العزل، وأن يتمكن من سحق هذا الفصيل “الأحمق” الذي يتبنى المقاومة في عالم بات قائمًا على الخضوع والخنوع وعدم القدرة، بل وعدم الرغبة في مقاومة الظلم والتجبر والطغيان.
لم نتخيل يوما أن تنقلب فيه المعايير لهذه الدرجة، وتنعدم المشاعر الإنسانية إلى هذا الحد الذي نناصر فيه عدو ظاهر ومجرم خطير على حساب بني جلدتنا نحن العرب حتى وإن اختفلنا في الرؤى والأفكار والتوجهات.
لم نكن نظن أن تنجح وسائل إعلامية “منحرفة” ونخب سياسية وثقافية “موجهة” في تحويل الجاني إلى ضحية، وتصوير الفلسطينيين من أبناء غزة بأنهم يستحقون السحق والإبادة والإزالة من على وجه الأرض.
لم تكن تحلم إسرائيل بهذه البيئة الحاضنة لها ولممارساتها القمعية والوحشية، ولم تكن تأمل في أكثر من هذا السكوت، وهذا التشجيع لتنفيذ ما تخطط له منذ زمن في تدمير أي جهة مقاومة تعكر صفو تفوقها المطلق على الجيران، وتهدد سيطرتها الفعلية وهيمنتها عليهم.
لم نكن نرغب أن يأتي ذلك اليوم الذي تتحجر فيه قلوبنا وتتجمد فيه أعيننا ونحن نرى عشرات القتلى وآلاف الجرحى والمصابين الذين يتساقطون في كل لحظة بلا ذنب أو جريرة.
ورغم كل ذلك، فدائمًا الأمل موجود؛ لأن الحق لا محالة منتصر مهما طال الوقت واستمر الباطل شريطة التمسك بهذا الحق والدفاع عنه بكل قوة.
ويبدو من تطورات الغزو الصهيوني لقطاع غزة أن هذا العدو سيندحر وسيجر معه أذيال الخيبة والفشل كما يحدث في كل مرة يتوهم فيها أنه بات قريبا من القضاء على هذا القطاع “المخيف”، فإذا به يترنح ويعود إلى حيث كان.
والمؤشرات على ذلك كثيرة من بينها تلك الأصوات الإسرائيلية الرافضة لهذا الغزو البربري على غزة، وهذا الرفض بطبيعة الحال ليس حبا لأهالي غزة وإنما حرصًا على المصلحة الإسرائيلية نفسها، وهو ما يعطي هذه الأصوات قيمة وأهمية في حسابات صانع القرار الإسرائيلي وخاصة إذا كان من بين هؤلاء الأصوات نائب رئيس البرلمان الإسرائيلي “الكنيسيت” هيليك بار الذي كتب مقالا في صحيفة الديلي تليجراف البريطانية في عددها الصادر بتاريخ 11 /7/2014 أكد فيه أن حركة المقاومة الإسلامية في القطاع لا يمكن هزيمتها بعمل عسكري منفرد، واصفًا الدعوات التي تتردد في إسرائيل بين فترة وأخرى من أجل توجيه ضربات قاسية وعنيفة لغزة بأنها لا تقوم على اعتبارات موضوعية، وإنما على معايير شعورية فقط، محذرًا من أن الاستمرار في هذه الضربات التي تمثل عقابا جماعيا لسكان غزة تلحق خسائر بعيدة المدى على الجانب الإسرائيلي وخاصة أنها غير أخلاقية وتؤدي إلى زيادة وانتشار الغضب بين الفلسطينيين.
ثم تأتي عملية التقييم الإستراتيجي لهذا الغزو الإسرائيلي الهمجي على أبناء الشعب الفلسطيني لتعطي مؤشرًا قويا على قرب نهاية غزة وبقرار إسرائيلي، فقد أظهرت دراسة أعدها مركز أطلس في غزة أن المقاومة الفلسطينية سجلت انتصارات مهمة في المعركة الحالية، وأهمها نجاح الضفادع البشرية الفلسطينية في اختراق التحصينات الأمنية الإسرائيلية، وكذلك الرد النوعي والكثيف للمقاومة، فحتى صبيحة الحادي عشر من يوليو الجاري لم تحقق إسرائيل أي إنجاز حقيقي ولم تتمكن من توجيه ضربة قوية للمقاومة أو لبنيتها الصاروخية.
من الواضح أن الغزو الإسرائيلي لغزة وإن كان بلا مقابل إسرائيلي يدفع لحساب العالم الخارجي، بل ربما كان الغزو منحة من هذا العالم لإسرائيل؛ كي تنفذ مخططها، إلا أن الفلسطينيين الذين ألفوا العمل والمقاومة تحت الحصار والغزو استطاعوا إلحاق بعض الخسائر التي يمكن أن تشكل رادعاً لمجرمي إسرائيل على مواصلة إجرامهم، وخاصة أن الصواريخ التي أطلقتها فصائل المقاومة خلال الأيام الماضية (وصلت إلى 600 صاروخ حتى يوم 11 / 7) طالت بلدات جنوب حيفا وهرتسيليا وتل أبيب والقدس، فضلا عن بئر السبع والنقب الغربي والمناطق المحاذية لقطاع غزة. وقد استهدف عدد من الصواريخ مناطق إسرائيلية تبعد أكثر من مئة كيلومتر عن غزة، وقد دوت صافرات الإنذار في الكثير من مناطق العمق الإسرائيلي، بما فيها مدينة حيفا لأول مرة.
القيمة الحقيقية لهذه التطورات هي ما تلحقه من خسائر بشرية واقتصادية تشكل ضغطًا هائلاً على صانع القرار الإسرائيلي الذي يدرك أن الشعب قد يثور وينتفض لمجرد سقوط ضحية واحدة فقط، وهو ما بدا قريبا من الحدوث، بعد أن قام المستوطنون برفع أكثر من 160 دعوى على الحكومة الإسرائيلية طالبوا فيها بتعويضات مقابل أضرار لحقت بمركبات ومبان وزراعات لديهم بفعل الصواريخ الفلسطينية.
هذا، إضافة إلى الكلفة الاقتصادية المرتفعة المصاحبة للاستمرار في إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، حيث تشير تقارير إسرائيلية إلى أن الخزانة الإسرائيلية تتكبد يوميا خسائر بملايين الدولارات، وأن الخسائر المالية في جنوب إسرائيل وحدها بلغت نحو ثلاثة ملايين دولار، كما أن إسرائيل اضطرت إلى استدعاء نحو أربعين ألفا من جنود الاحتياط، وهو ما يضيف أعباء مالية إضافية على الميزانية قد لا تتحملها الدولة الصهيونية ولا المجتمع اليهودي.