العدد 2084
الأحد 29 يونيو 2014
العراق بين المؤامرة والمغامرة
ستة على ستة
الأحد 29 يونيو 2014

المؤامرة والمغامرة كلمتان تعبران عن ماض وحاضر وربما مستقبل دولة العراق التي لم تشهد استقرارًا في تاريخها الحديث، إما بفعل ما يحاك ضدها من مؤامرات من قبل القوى العالمية التي لا تريد لهذا البلد أن يظل قوة عربية، أو بسبب مغامرات الرؤساء الذين ورطوا هذا البلد وشعبه في حروب ومواجهات أنهكت قواه واستنزفت موارده وأضعفت قدرته وجمدت حركته ثم حولته من دولة عربية إلى ولاية إيرانية تجاهر بالعداء للعرب وتتبع من السياسات ما يخالف التوجهات العربية ويتفق مع المصالح الإيرانية.
ويبدو أن هذا البلد يحصد الآن نتاج هذه المغامرات والمؤامرات، والتي توجت في عام 2003 باحتلال أميركا للعراق وقيامها بوضع الأسس والقواعد الضامنة لبقاء هذا البلد ضعيفًا منقسمًا متوترًا حتى لا تضطر في كل مرة إلى التدخل لإحداث الإضعاف اللازم، فأوكلت هذه المهمة إلى العراقيين أنفسهم الذين لم يقصروا بدورهم في أداء الدور المنوط بهم بعد أن تناسوا تاريخًا كان يجمعهم ولهثوا وراء سلطة واهية وطمعوا في مكاسب زائلة وتحولوا من جهاد مفترض من أجل البناء والتنمية والوحدة إلى قتال مبتذل بين أبناء البلد الواحد.
وبعد أن استقرت السلطة بيد المتطرفين من أبناء الطائفة الشيعية، عمدوا إلى الانتقام من المجتمع وأرادوا القضاء على كل ما سني ومحو تاريخ ينطق بوحدة العراق ويشهد على اختفاء مصطلحات الطائفية والمذهبية إلى أن ألقت الأقدار بنوري المالكي في السلطة وأقعدته على كرسي رئاسة الوزراء في العراق ما بعد احتلال عام 2003م.
مغامرة المالكي وأعوانه في الداخل والخارج ما كان لها أن تستمر بلا نهاية، بل كان من الطبيعي أن تنتهي هذه المغامرة؛ لأنها بنيت أولاً على مؤامرة الغزو والاحتلال الأمريكي عام 2003، وكانت ثانيًا على حساب المكون الأكبر من مكونات الشعب العراقي، كما أنها ثالثًا كادت أن تقضي على عروبة العراق.
وحدث ما كان متوقعًا من ثورة لأبناء السنة حركها ظلم مرير وواقع أليم وغيرة وطنية على تاريخ بلدهم الذي ينسلخ أمام أعينهم، فهبوا لنيل حقوقهم المغتصبة ولتجنيب أبنائهم المصير الأسود الذي يواجهونه في ظل حكومة طائفية ديكتاتورية لم تؤمن لهم المعيشة الكريمة أو الحقوق الأساسية.
ولأن الواقع كان في غاية القسوة، فقد جاءت الثورة بمنتهى القوة التي مكنتها من الإطاحة بكل من يواجهها من البشر أو يقف في طريقها من السلاح والعتاد، وهو ما جعل الجميع يتساءل عن ماهية ما يحدث وكيفية حدوثه، بل وذهب البعض إلى وجود مؤامرة من قبل المالكي للانتقام المباشر والعلني من السنة بعد أن يسمح لهم بتحقيق هذه الانتصارات العسكرية والترويج بأن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” هو الذي يحارب ضد قوات الجيش العراقي، وهو من قام بالسيطرة على مدينة الموصل وغيرها من المدن العراقية.
ولكن الحقيقة المؤكدة أن الانتصارات التي تتحقق والثورة التي تنتشر هي أكبر بكثير من أعداد وقدرات تنظيم داعش، وأن الحديث عن خدعة عسكرية لا يمكن أن يصل أو يسمح بهذا المستوى الكبير من الانهيار لقوات الجيش العراقي وهروب قياداته، والذي مكن الثوار من الاستيلاء على كثير من الأجزاء التي يصعب استعادتها مرة أخرى.
إن ما حدث ليس بترتيب من المالكي أو غيره، وإنما هو تطور طبيعي لانتفاضة مظلوم وثورة مقهور ولا يمكن أن يوقفها سوى إعادة الحقوق لأصحابها وعودة الأوضاع في هذا البلد لوضعها الطبيعي كبلد عربي مستقل غير تابع لدولة إيرانية أو خاضع لسيطرة أمريكية.
ويبدو أن العراق يقف الآن على أعتاب مغامرة جديدة تشترك فيها أميركا وإيران بعد أن هبت طهران بحرسها الثوري لنجدة حليفها وتابعها المخلص، وبعد أن أصدر الرئيس الأميركي أوباما أمرا بإرسال 275 فردا من العناصر القتالية إلى العراق لحماية السفارة الأميركية وثلاثمئة عنصر للعمل مستشارين ومحصنين من أي ملاحقة قضائية، وفي ظل قيام طائرات عسكرية أميركية وإيرانية وسورية بالتحليق في سماء العراق في طلعات مراقبة واستكشاف وقصف، فيما وصف بـ “المعركة العالمية” لوقف هجوم مسلحي “السُّنة”.
وبعد أن أفاقت المرجعيات الشيعية من غيبوبتها الطويلة وسباتها العميق بفتاوى “طائفية” دعت لقتال مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وطردهم من العراق؛ لتعزيز الرؤية “المالكية” بأن من يقاتلون القوات الحكومية هم من الإرهابيين؛ وذلك لتضييق الخناق، ولحصار أهل السنة وتطويقهم والقضاء عليهم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية