العدد 2077
الأحد 22 يونيو 2014
التقارب الجديد بين أميركا وإيران
ستة على ستة
الأحد 22 يونيو 2014

معروف أن الصديق الحقيقي لا يظهر إلا في الشدائد والمحن وليس في أوقات الفرح والرخاء التي تتسم في الغالب بتزاحم شديد من الجميع على تسجيل الحضور في هذه المناسبات، بينما ينفض الكثير من هؤلاء في أوقات الأزمات.
ويبدو أن هناك وعيا من كل من أميركا وإيران لمعنى الصداقة، فلا نراهم يتقاربون بشدة إلا في وقت الشدة، بينما نحن العرب مازلنا بعيدين عن هذا المعنى، حيث لا نتقارب أو نظهر الحب والوئام إلا في أوقات الرخاء والهناء، في حين نبتعد تمامًا عن بعضنا البعض وربما نتخاصم أو نتقاتل في وقت نكون فيه في أمس الحاجة للوحدة والتآلف.
الشواهد كثيرة والمظاهر خطيرة، ولا يمكن أن نحصرها في مقال، فالتاريخ البعيد والقريب مليء بالأحداث والوقائع التي كان للتحالف الإيراني الأمريكي دور كبير في حدوثها، كما أن منطقتنا العربية وما تموج به من تغييرات دراماتيكية واضطرابات حقيقية شاهدة على مدى العجز العربي عن تحقيق معنى الصداقة الحقيقية، والتي نتغنى بها في جميع المحافل الإقليمية والدولية، وهو ما أدى إلى انتقال هذه الاضطرابات من دولة لأخرى في تشابه غريب في الأحداث، وفي ظل إهمال شديد من “الأصدقاء” و”الأشقاء” العرب.
أحداث العراق الراهنة هي أحدث جولة من جولات الصراع بين معسكر يضم أميركا وإيران مدرك لمعنى الصداقة ومتطلباتها وعامل بمتقضياتها، ومعسكر آخر يضم الدول العربية مدرك تماما لمعنى الصداقة، لكنه يتهرب من أعبائها وغير عامل بحقوقها والتزاماتها.
فلأول مرة منذ سنوات، تعبر كل من إيران والولايات المتحدة عن استعدادهما للتعاون؛ من أجل استتباب الأمن في العراق ووقف ثورة العشائر السنية ووضع حد لزحف تنظيم “داعش” الذي بات على مقربة من بغداد، ويحقق مكاسب عسكرية وميدانية ومالية لافتة أثارت معها الاهتمام والانقسام، ودفعت واشنطن إلى الإعلان عن أنها قد تشن ضربات جوية وتعمل مع إيران لدعم الحكومة العراقية بعد التقدم السريع للثوار السنة شمال العراق.
وقد كشفت صحيفة وول ستريت جورنال في عددها الصادر بتاريخ 15 يونيو الجاري أن محادثات مباشرة ستجري قريبا بين الولايات المتحدة وإيران للاتفاق على كيفية التعاون بينهما لدعم العراق في مواجهة الهجوم الواسع النطاق الذي يشنه تنظيم (داعش)، وأن هذه المباحثات قد تجري على هامش المفاوضات التي تنطلق في فيينا الإثنين حول الملف النووي الإيراني.
وفي السياق ذاته، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني في تعليقه على الأحداث في العراق “إذا رأينا أن الولايات المتحدة تتحرك ضد المجموعات الإرهابية، فعندئذ يمكننا التفكير (في تعاون)، لكننا حتى الآن لم نر أي تحرك من جانبها”.
هذا الاستعداد العلني غير المسبوق في التباحث والتعاون المباشر بين أميركا وإيران يعكس مدى خطورة تطورات العراق على مصالح الدولتين وحساباتهما الإستراتيجية كما يؤكد وجود دوافع كثيرة تدفع لخروج التحالف غير المعلن بين الجانبين إلى العلن دون خوف من نقد هنا أو هناك.
أميركا تحاول أن تدافع عن نموذج فاشل حاولت أن تسوقه لمنطقة الشرق الأوسط بعد تجربة محبطة منذ غزو العراق العام 2003م بعد أن بات هذا البلد على مشارف التقسيم الفعلي وبعد أن تورط في التناحر والاقتتال الطائفي.
لذا تريد واشنطن أن تقوم “بترقيع” تجربتها في العراق بعد أن اتضح لها أوجه الخلل الكثيرة والثقوب الخطيرة التي صاحبت وواكبت ونتجت عن الغزو قبل أكثر من عشر سنوات.
أما إيران، فقد دفعتها حساباتها الطائفية وسياساتها التوسعية إلى استغلال أحداث العراق؛ لتعزيز نفوذها وإبعاد الاهتمام الدولي عما يحدث في سوريا، وعدم تضييع تلك الفرصة لخنق السنة وإبادتهم من خلال إعلان الحرب الصريحة ضدهم بحجة ما يقومون به من انتهاكات و”مجازر” للشيعة. لذا ليس من المستبعد أن تشارك قوات إيرانية وأخرى أميركية جنبًا إلى جنب في ظل تنسيق خططي وعسكري بين الجانبين؛ للقضاء على هذا العدو والخطر المشترك لهما معًا، وخاصة في ظل استعداد الرئيس الأميركي أوباما لتوجيه ضربات عسكرية ضد السنة، وبعد دخول نحو 5 آلاف عنصر من الحرس الثوري الإيراني إلى العراق لنجدة الشيعة. ورغم أن واشنطن قد تبرر هذا التدخل بأنه لمنع حرب طائفية في العراق، إلا أنه لا يمكن لإيران إلا الاعتراف بأن هذا التدخل هو لتأكيد هذه الحرب وحسمها لصالح حكومة نوري المالكي الطائفية التي قامت قواته مؤخرا بربط إمام مسجد بالمئذنة وتعليقه بها، ثم تفجير المئذنة به في مشهد غارق في الطائفية وعدم الإنسانية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية