العدد 2070
الأحد 15 يونيو 2014
ما بين سقوط بغداد والموصل
ستة على ستة
الأحد 15 يونيو 2014

في التاسع من شهر أبريل من العام 2003، ذهل العالم العربي بسماع خبر سقوط العاصمة العراقية بغداد وانتشار الفوضى وأعمال النهب والسرقة المتعمدة من مرافقين لقوات الاحتلال وسط تهليل لعراقيين عادوا لبلادهم على ظهور الدبابات الأميركية ومصاحبين لمدافع الاحتلال أمثال نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الحالي وأحمد الجلبي وغيرهم، في مشهد أثار الانقسام ليس في العراق فقط إنما في أرجاء العالم العربي أجمع ما بين مؤيد لما يحدث نكاية في صدام حسين وأفعاله ضد شعبه وجيرانه وأشقائه، وبين رافض لسقوط دولة عربية كانت تمثل سندًا حقيقيًا للعرب رغم أخطاء وحماقات صدام التي كان يمكن احتواؤها بعيدا عن الاحتلال الأجنبي الغاشم.
المهم أن بغداد سقطت بعد اختفاء غريب مازال يمثل لغزًا حتى الآن لقوات الحرس الجمهوري التي كان يزيد قوامها على 50 ألف مقاتل مشهود لهم بالشراسة في القتال، كما اختفت المدرعات والدبابات والصواريخ والألغام، وعناصر جيش “فدائيو صدام” الذين يزيد عددهم على 10 آلاف مقاتل كانوا بمثابة قوات كوماندوز خاصة.
وفي السادس من يونيو من العام الحالي 2014، اندلعت اشتباكات دامية في مدينة الموصل عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام “داعش”، ورجال القبائل العربية السنية هجوما على المدينة الشمالية التي سقطت سقوطًا مدويًا وغريبًا في خلال ساعات معدودة، ما أدى إلى مغادرة عشرات الآلاف من سكانها ـ الذين يبلغ تعدادهم نحو 1.8 مليون نسمة ـ إلى المنطقة المجاورة التي يسيطر عليها الأكراد، بعد أن استولى المهاجمون على مطار ومركز عمليات تابع للجيش والمنشآت المهمة الأخرى في الموصل، كما أضرموا النار في العديد من مراكز الشرطة وأطلقوا سراح مئات المعتقلين، بعدما ترك ضباط الشرطة والجنود مواقعهم وأسلحتهم وفروا هاربين، فسقطت ثاني أكبر المدن العراقية في لغز ثاني يجد تفسيرات كثيرة تحمل دلالات مختلفة.
وإذا كان سقوط بغداد قد جاء بعد قصف أميركي متواصل لأسابيع، وفي ظل فجوة كبيرة في القدرات العسكرية بين القوات العراقية وقوات التحالف الدولي بقيادة أميركا، فإن مقاتلي داعش الذين تمكنوا من السيطرة السريعة على الموصل لم يتعد عددهم 1200 مقاتل ـ وفق معظم التقديرات ـ لكنهم تغلبوا على جيش يقدر بالآلاف وتم تدريبه من قبل الولايات المتحدة الأميركية لنحو عشر سنوات.
والحقيقة أن الحدثين المتباعدين في الزمان قريبان ومتشابهان في الدروس المستفادة منهما وفي أسباب وقوعهما، فإذا كان سقوط بغداد ومن ثم احتلال العراق جاء لأسباب تتعلق بسياسة صدام حسين والرغبة الأميركية في القضاء على هذه القوة العربية، إلا أنه ما كان ليحدث إلا في ظل هذا المناخ العراقي والعربي المنقسم وبفضل وجود مؤامرات وخيانات من قادة ومسؤولين ومعارضين عراقيين تآمروا جميعهم ضد دولتهم في المقام الأول حتى وإن ادعوا أنهم كانوا يهدفون لتخليص البلاد من ديكتاتور اسمه صدام حسين.
أيضًا، ما كان لـ “داعش” هذه القدرة الهائلة التي تستطيع السيطرة على ثاني أكبر المدن العراقية خلال ثلاث ساعات فقط إلا إذا كانت هناك عوامل أخرى كثيرة أعطت للتنظيم عوامل تفوق على الجيش العراقي ومن بينها انضمام أبناء المدينة إلى داعش للانتقام من رئيس الوزراء نوري المالكي، إضافة إلى هروب القيادات العسكرية العراقية.
وإذا كان سقوط بغداد يعبر عن انتفاضة دولية للقضاء على العراق ورئيسه، فإن سقوط الموصل يعكس مدى إحباط واستياء السنة من السياسات الطائفية للحكومة العراقية وانتفاضتهم ضد من ينتهج سياسات تمييزية ضدهم ويحرمهم من جميع المكاسب والامتيازات، ما دفعهم للتعاون مع تنظيم متطرف لأنه موجه بالنهاية ضد حكومة ودولة أشد تطرفًا وتمييزًا واضطهادًا ضدهم.
إن ما حدث في سقوط بغداد وما يحدث الآن من سقوط للموصل وغيرها من المدن العراقية بمثابة إنذار شديد لكل حاكم مستبد ظالم بأنه حتمًا ستكون له نهاية أليمة وأن من يستقوي بهم من دول وأفراد ضد شعبه وأمته سيكونون بمثابة الخنجر الذي سيقضي عليه إن عاجلاً أو آجلاً، وأن من يرى فيهم أعوانًا واصدقاء سيتخلون عنه في وقت لن ينفعه فيه الندم على ما اقترفه من آثام وما ارتكبه من جرائم.
ولا يمكن أن نخلي ساحة النظام العربي عما حدث لبغداد في الأمس وما يحدث في الموصل اليوم، بعد أن قام العالم العربي بتوكيل أميركا باتخاذ ما تراه من إجراءات وقرارات لإنهاء جبروت صدام حسين واكتفوا بدفع فاتورة هذه القرارات، وبعد أن استسلموا أو ربما استسهلوا القول إن العراق أصبح ولاية إيرانية فلم يحاولوا إنقاذه وإعادته إلى النظام العربي مرة أخرى.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .