في خطوة محبطة وعودة سافرة للانتخابات “الوهمية” التي تجرى لاعتبارات لا علاقة لها بالديمقراطية، فاز الطاغية “بشار الأسد” بولاية رئاسية ثالثة في سوريا في ظل مشهد انتخابي أقل ما يوصف بأنه “مهزلة” ووصمة عار في جبين المجتمع الدولي.
المنافسة الحقيقية في هذه الانتخابات لم تكن بين بشار ومنافسيه الذين سمح لهما بشار نفسه بالدخول في معترك الانتخابات، وإنما كانت بين معسكرين أحدهما قوي ومتماسك رغم أنه يجسد الشر بكل صوره من قتل وتعذيب للأبرياء واعتقال وتنكيل بالمواطنين، ويضم هذا المعسكر بشار ومن ورائه روسيا وإيران والعراق وحزب الله اللبناني.
أما المعسكر الثاني، فهو معسكر مشتت متردد، كاذب ومخادع، حيث يدعي أنه يسعى للخير وإنهاء حرب الإبادة التي يشنها المعسكر الأول ضد الشعب السوري، إلا أنه لا يقوم بأي جهد لتحقيق مسعاه والوصول إلى مبتغاه باستثناء بعض التصريحات الفارغة والكلمات الباهتة التي لا تسمن ولا تغني من جوع من قبيل وصف الانتخابات التي جرت مؤخرا بالمهزلة ونتائجها بأنها تمثل إهانة لجميع السوريين، كما ورد على لسان وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ، أو بأن هذه الانتخابات “صفر حقيقي” كما جاء على لسان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.
كانت الانتخابات الرئاسية فرصة ذهبية لحشد التعبئة الشعبية وإنشاء شرعية انتخابية جديدة لهذا الرئيس المجرم؛ كي يحتج بها لدى المجتمع الدولي ويدخل البهجة والسعادة لحلفائه الداعمين له بأن جهودهم لا تذهب سدى وإنما تسير في الطريق الصحيح وتذهب إلى من يستحق الدعم والتأييد؛ لأنه الطرف الأقوى في سوريا، والجهة الأكثر تماسكا.
الصفر الحقيقي لم يكن في نتيجة الانتخابات كما يرى كيري، وإنما في موقف المجتمع الدولي الذي ظل شاهدًا على جرائم ووحشية وانتهاكات غير إنسانية وممارسات بربرية مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات لقي فيها أكثر من 160 ألف شخص حتفهم فضلاً عن تشريد مئات الألوف من الأشخاص وتدمير المئات من الأحياء والمناطق السكنية.
المهزلة الحقيقية لم تكن في نتائج الانتخابات الرئاسية السورية، وإنما كانت في الوصول إلى هذه المرحلة التي تسمح لمجرم مثل بشار الأسد أن يجري هذه الانتخابات ليقول بعدها بأنه رئيس منتخب من قبل الشعب السوري أو أنه جاء بصناديق الاقتراع ومن يريد إزاحته، فيجب أن يكون عن طريق هذه الصناديق وليس من خلال العنف والإرهاب التي تمارسه المعارضة.
المهزلة أيضًا في أن تجرى انتخابات في ظل صراع دموي وقصف للمناطق السكنية بالقنابل والصواريخ وذبح للمواطنين سواء من قبل شبيحة الأسد أو من قبل الجماعات المسلحة المتطرفة، وأن تجرى هذه الانتخابات في مناطق دون أخرى، وهي تلك التي يتحكم ويسيطر عليها النظام، ويترتب عليها رئيس للبلاد رغم أن الانتخابات لم تجر في جميع أنحاء البلاد.
المهزلة أن هذه الانتخابات ستعطي المجرم والظالم فرصة رد الاعتبار واسترداد القوة التي كاد يفتقدها، وتساعده أيضًا وتحفزه على الاستمرار في خيار الحرب والتهام المزيد من الأرواح دون خوف من الحساب أو العقاب بعد أن كسب المنافسة ضد المعسكر الآخر الذي لم يعد رادعًا له ولم يشكل قيدًا على تصرفاته الهوجاء وممارساته الشنعاء بحق الشعب السوري.
المهزلة أن هذا الفوز سيرسخ قناعة لدى قطاع من الشعب السوري بأن هذا المجرم هو الأقدر على حماية مصالحهم وتوفير أمنهم وسلامتهم وليس المعارضة المنقسمة والجماعات المسلحة المتصارعة فيما بينها ولا المجتمع الدولي الذي فشل مرارًا وتكرارًا في كبح جماح هذا الطاغية.
والمهزلة الأخطر التي قد تحدث بعد هذه الانتخابات الهزلية هي أن يتحكم بشار في مستقبل الأزمة، ويضع لها ما يشاء من سيناريوهات وحلول مدفوع بدعم حقيقي من إيران وروسيا غير عابئ بمجتمع دولي صامت غير قادر أو ربما غير راغب في إنهاء حكمه ووضع حد لجرائمه؛ لأنه يرى أنه يحافظ على مصالحهم ولا يشكل خطورة عليهم.