شعرنا ببالغ الحزن والأسى لحادث اختطاف الجنود السبعة الذين اختطفوا في سيناء وتابعنا بقلق وشغف شديدين تطورات اختطافهم ولكن لم تكن سعادتنا بعودتهم وتحريرهم على مستوى الحدث والسبب في ذلك حالة التربص الشديدة بالدولة والتصيد للسلطة من قبل معظم وسائل الإعلام وكذلك ما بات يطلق عليهم نخبة المجتمع، حيث اختار هؤلاء خطًا واحدًا قاتمًا متشائمًا ونهجًا متشابهًا ضاغطًا على الدولة وصانع القرار ومحبطًا للرأي العام.
فرغم أن الأزمات عادة ما توحد مختلف فئات الشعب وتفرض على أفراده تناسي وتنحية خلافاتهم لدرجة أن بعض الأنظمة تلجأ لافتعال الأزمات لخلق مثل هذه الحالة التوحدية، إلا أن ما حدث في مصر أثناء أزمة اختطاف الجنود السبعة كان على العكس من ذلك، حيث تفنن البعض في كيفية استغلال هذه الأزمة لتحقيق مآرب أخرى لا تمت للمصلحة الوطنية بصلة.
وفي ظل تفوق هؤلاء وخبراتهم العريضة في استثمار مثل هذه الظروف لصالحهم وفي ضوء طبيعة وصعوبة الأزمة، فقد طمعوا في اختطاف الدولة خطفًا من خلال إظهار السلطة القائمة بمظهر الضعيف العاجز عن حماية أمن الوطن ومواطنيه، بل والإيحاء بأن هذه السلطة لا يهمها الجنود السبعة بقدر حرصها على سلامة وحياة الخاطفين “الإرهابيين”.
وبرأيي ان السلطة ارتكبت أخطاء في إدارة أزمة اختطاف الجنود ما أتاح لما يمكن أن نطلق عليه الطرف المعادي لها أو الخصم ـ معظم الإعلام والنخبة ـ أن يستغل مواهبه وقدراته في خلق رأي عام معارض وضاغط على الدولة ومتربص بها ولعل أهم هذه الأخطاء التصريح بأشياء ثم التراجع عنها بفعل الضغط الإعلامي والنخبوي، وكذلك المبالغة في الشفافية والوضوح في التعامل مع أزمة وموقف لا يتطلب الشفافية من الأساس بل يحتم السرية والتكتم الشديدين.
فقد صرح الرئيس الدكتور محمد مرسي عقب حادث الاختطاف مباشرة بأنه سيتم التفاوض مع الخاطفين لمعرفة طلباتهم للإفراج عن المخطوفين، وهنا قامت الدنيا ولم تقعد، إذ كيف لدولة أن تتفاوض مع إرهابيين خاطفين مجرمين؟، ولماذا هذا الحرص على الخاطفين وعدم التحرك بكل قوة وبأقصى سرعة لتحرير المخطوفين؟.
ورغم أن هذا التصريح لا يعد جريمة بل وقد يكون تكتيكًا “ذكيًا” لكسب الوقت وترتيب الأوراق وجمع المعلومات والحفاظ على سلامة المخطوفين، إلا أن الرئيس آثر عدم التصادم وتراجع بسرعة عن تصريحاته ولجأ إلى تصريحات أخرى تؤكد عدم التفاوض مع الخاطفين واللجوء للحسم العسكري وهو خطأ آخر كان من الممكن أن يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه خاصة من حيث الاندفاع العسكري غير المحسوب وغير المخطط بصورة جيدة. أما من حيث المبالغة في الشفافية في موقف يتطلب السرية، فتجسد في استدعاء رئاسة الجمهورية رؤساء الأحزاب لكي تتشاور معهم في الموضوع وفي الحل الأمثل لهذه المشكلة، وهو أمر ما كان ينبغي أن يحدث في مثل هذه الأزمة.
ولم يجد هذا الإعلام وتلك النخبة غضاضة في اللعب على مشاعر الناس وإثارة عواطفهم وغضبهم وتأليبهم ضد السلطة من خلال إثارة شبهات وشكوك حول حادثة الاختطاف من الأساس والقول إنها ربما تكون من تدبير السلطة نفسها للتخلص من بعض القيادات العسكرية وتحديدا وزير الدفاع كما حدث مع سلفه، ثم من خلال بث شريط فيديو يظهر حالة الرعب التي يعيشها الجنود المخطوفون في سلوك مرفوض أخلاقيًا ومهنيًا وخاصة في مثل هذه الحالات وذلك للإمعان في إظهار ضعف الدولة وإرباكها ودفعها إلى ارتكاب أخطاء جسيمة في إدارة الأزمة لربما تتحقق أهدافهم بإسقاط الدولة والتخلص من السلطة.
وجاءت اللحظة الصادمة والكاشفة حينما تم تحرير الجنود السبعة أو حتى العثور عليهم في صحراء سيناء، حيث أصيب هذا الإعلام وتلك النخبة على ما يبدو بحالة من الغثيان أو ربما وصلوا لمرحلة الإعياء من فرط الجهود التي بذلوها أثناء الأزمة، فخارت قواهم عندما انقشعت الأزمة ولم يعد لديهم طاقة لمتابعة الأفراح التي تزامنت مع الإفراج عن الجنود السبعة، ولكنهم بعد أن أفاقوا من الصدمة أو ربما أفيقوا منها بفعل الاحتفاء الرسمي والشعبي بعودة الجنود سالمين دون إزهاق أرواح ودون خوض حروب أعادوا الكرة الخبيثة مرة أخرى وصوبوا سهامهم تجاه إثارة الشكوك والتساؤلات عن طريقة الإفراج عن الجنود السبعة والثمن الذي دفعته الدولة في هذه الصفقة في وقت كان يفرض على الجميع مسح حالة الحزن والألم وإحلال الفرحة والأمل ولو لفترة قصيرة.
ومرة أخرى نقول إن خطأ السلطة هو الذي أعطى الفرصة، بعد أن تبدلت حالة الشفافية التي اتسمت بها إدارة الأزمة في البداية - في وقت كان لابد فيه من السرية - إلى حالة من الغموض والتكتم على كيفية إسدال الستار على هذه الأزمة، ما أعطى المجال للاجتهادات المختلفة والأقاويل الكثيرة.
لقد كشفت أزمة اختطاف الجنود السبعة عن سلطة مازالت تتلمس خطاها وتثبت أقدامها.. ترتكب أخطاء وتحقق نجاحات وتحتاج إلى من يساندها ويدعمها من جانب لتقليل الأخطاء وتكثيف النجاحات، في مقابل إعلام يتربص ونخب تتصيد لتلك السلطة ولا تمنحها فرصة أو تعطيها عونًا لكي تصل بسفينة الوطن إلى شاطئ الأمن والاستقرار.