تعلمنا في مادة الجغرافيا عند الحديث عن الدول، القول في المقدمات الأولى عن أي بلد عضو في الأمم المتحدة أنها دولة “مستقلة ذات سيادة”. والمعنى المبسَّط لاستقلال البلد هو أنه “استكمل سيادَتَه وانفرد بإدارة شؤونه الداخليّة والخارجيّة، ولا يخضع في ذلك لرقابة دولة أخرى”، ويترافق مع هذا المصطلح مصطلح “السيادة” التي ترد “بصورتين مختلفتين - وإن ظلتا مترابطتين - للإشارة إلى السيادة الداخلية والسيادة الخارجية، ففي حين ترتبط الثانية بوضع الدولة في النظام الدولي ومدى قدرتها على التصرف ككيان مستقل “مفهوم السيادة الوطنية أو الدولة ذات السيادة”، فإن السيادة الداخلية تشير إلى القوة أو السلطة العليا داخل الدولة ممثلة في الهيئة صانعة القرارات الملزمة لكل المواطنين والجماعات والمؤسسات داخل حدود الدولة. وترتبط السيادة الداخلية بهذا المعنى الداخلي بمفاهيم مثل “السيادة البرلمانية” و”السيادة الشعبية”[1].
وحتى لا يتحول المقام بنا إلى درس في العلوم السياسية، فإن مفهوم السيادة الوطنية الذي كان سائداً في فترة طويلة من القرن العشرين، خصوصاً بالنسبة للدول التي “فتحت” عينيها فجأة على التحرر من الاستعمار، وحصولها على الاستقلال، ومزاولة طبقاتها الحاكمة في معظم الأحيان فعل “الاستغلال” لما جرى، كانت تصيح وتهلل في كل محفل أنها دولة مستقلة ذات سيادة، وذلك لتمنع أي طرف من التدخل في شؤونها الداخلية، أو يؤثر على سياستها الخارجية. ولكن مسألة عدم التدخل هذه ليست إلا شعاراً برّاقاً ترفعه الدول بأنها لا تمارسه ولا تقبل أن يمارَس عليها، بينما جميع الدول (تقريباً) تخترق جميع الدول، وتتجسس عليها، وها هي الولايات المتحدة تتجسس على حلفائها، الدول الأقدم منها في السيادة، والأرسخ منها في التكون لمئات السنين أحياناً، فما ظننا أنها تفعل مع خصومها وأعدائها، والحال أيضاً ينطبق على الدول الأخرى التي تدّعي “العفّة السياسية”، وهي تمارس “العهر السياسي” بكل أشكاله، حتى بات من لا تتسخ يداه في عمليات التجسس، وتحريك مجريات الأحداث في الدول الأخرى، خصوصاً إن كانت الدول مخلخلة وفي نسيجها الوطني فجوات تسمح له بالدخول؛ من لا يفعل ذلك يُعتبر ساذجاً سياسياً، وليس طاهراً.
وكانت عمليات التجسس ومحاولة التحكم في صنع القرار في الدول على أشدّها بين الدول إبان الحرب الباردة على مدى أربعين سنة (1949 - 1989)، حتى انهار جدار برلين، وترنّح المعسكر الشرقي وكأنه ديناصور لم تقوَ قوائمه على حمله، فرفع المعسكر الغربي، بقيادة الولايات المتحدة، يديه إعلاناً بفوزه في هذا النزال الطويل، ويداه تقطر بالجاسوسية والقتل والدسائس والأموال والحروب، ولم تكن يدا خصمه نظيفة، بل أقل قذارة فقط!
ومنذ ذلك الحين، والمنظمات الدولية غير الحكومية، هي التي باتت تخترق سيادة الدول، وتعبث في شرف استقلالها، وتدعمها منظمات الأمم المتحدة، والحجج أكثر من أن تحصر، وليست “حقوق الإنسان”، “حقوق المرأة”، “حقوق الأقليات”، “الحريات”، “دعم الديمقراطية”، “الحريات الدينية”، إلا بضع واجهات للكثير من التفاصيل الصغيرة التي تتحرك على أساسها هذه المنظمات التي يمكنها أن تكدِّس التقارير إزاء أية دولة، وتحشد الرأي العام ضدها، فإما أن ترضخ وإما أن تتعرض للعقاب، وبحسب مكانة الدولة/الهدف، ومصالح الدول الكبرى المركزية فيها ومعها، تكون شدة الضغط والممارسة ضدها، والابتزاز أحياناً.
وهنا يمكن طرح عديد من التساؤلات: هل هذه المنظمات جيدة أم سيئة؟ هل هي ألعوبة في يد الدول الكبرى التي تريد تدخلات شرعية بما يخدم مصالحها؟ هل هذه المنظمات مستقلة حقاً؟ هل هي حيادية؟ هل لها تأثير على الدول المركزية؟ هل يحق للدول “شبه الهامشية” و”الهامشية” أن تقوم بضغوطات مضادة في ملفات حقوقية في الأمم المتحدة في المسار نفسه الذي تتعرض فيه إلى الضغط؟ هل مقبول في إسبانيا (مثلاً) أن يقوم وزير خارجية غانا (مثلاً أيضاً) بزيارة إلى ثوار إقليم الباسك وإجراء حوارات معهم، ثم يلتقي الملك فيليب السادس، ويشجعه على إجراء الحوار مع الانفصاليين، وتلبية مطالبهم؟ هل للمسألة الحقوقية حرّاس دوليون هم من يقومون على سدانتها؟ أليست أبوابهم الداخلية مخلّعة؟!
حسنٌ، نعلم أن موازين القوى لا تسمح للمياه إلا أن تتدفق في اتجاه واحد، والمسألة تشبه كثيراً التعليم الكلاسيكي الذي يجب أن يجلس الطلبة طوال الحصة ليستمعوا إليه يوجههم ويلقي عليهم الدروس من دون مشاركة إلا إن سمح هو بها، وفي حدود معينة. وما هو معلوم في السياسة بالضرورة، أن مسألة الاستقلالية والسيادة لم تعد، منذ ربع قرن، كما كانت في الماضي. كما لم يعد الأب هو الآمر الناهي في منزله، إذ بات يحق للجهات ذات العلاقة، أن تحجر عليه، وتبعده عن أسرته إن كان يسيء إليها، أو يمارس العنف ضد أفرادها، من دون أن يُستمع إليه وهو يصيح ويشد شعره بأنه حُرٌّ يفعل في بيته ما يشاء. وكذا باتت الأنظمة، أحبت أم كرهت، وافقت أم رفضت، قبلت أم تمنّعت، ليست حُرّة في أن تحكم إغلاق حدودها وتتفرد بشعوبها، على اعتبار نظم الأبوّة التي تمارسها، وأنها أعرف بكيفية “تأديب” الجماهير.
صحيح أن الكثير من التقارير التي تصدر عن هذه المنظمات الدولية، تعوزها الدقة والتوازن، وصحيح أن أطرافا داخلية وخارجية تغذّي هذه المنظمات بمعلومات ربما متضخمة عن أوضاع معينة في دول يراد أن تكون تحت الضغط؛ ولكن الصحيح أيضاً أن هناك الكثير من الأنظمة التي تتبرع بأن تضع رقابها تحت المقاصل الدولية، ولا تعرف كيف تمارس اللعبة ذاتها، وتعرف حجمها وحجم التأثيرات عليها، وكيف يمكنها أن تفلت من هذه الممارسات إما بتحسين الأوضاع فيها بنفسها وبيدها حتى لا تتعرض كرامتها للمحنة الدولية، وإما بإجادة عرض ملفاتها في المحافل الدولية باحترافية وليس بالأشكال القديمة التي لا تقنع حراس بوابات وزارات الإعلام في هذه الدول نفسها، ناهيك عن المجتمع الدولي الذي يتحدث على موجة مختلفة تماماً عن الموجات البليدة والدعائية الطنانة.
وسواء قامت “دول الهامش” بالتصحيح من تلقائها، أو استجابت، أو أجّرت مكاتب علاقات عامة دولية، أو حاولت من تلقائها تبرير ونفي التقارير “جملة وتفصيلاً”، فإنها تعلم تماماً أن لا “السيادة” بقيت، ولا “الاستقلالية” لها مكان.
[1] ويكيبيديا، السيادة الوطنية، http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9.