العدد 2085
الإثنين 30 يونيو 2014
بطاقة تهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 30 يونيو 2014

عندما يقترب الموسم، يسارع الناس - في الغالب - إلى إرسال التهاني بحلول هذا الموسم، مع أطيب الأمنيات. البعض يحاول أن يكون مبدعاً ومتميزاً في تهانيه ليكون متفرداً عن الكمّ الكبير من سيل الرسائل المشابهة، والبعض لا يكلف نفسه إلا وضع اسمه على ما أرسله إليه الآخرون، وهناك من يدبّج كلمات رشيقة، وبعضهم لديه “كلاشيهات” جاهزة تصلح لكل زمان ومكان ومناسبة. وهذه هي الحال بالنسبة لمن يرسل هذه التهاني، فالبعض منهم يشعر بما يرسل، والبعض يريد أن يصل إلى شخص أو أشخاص معينين، وهناك من يرسلها لأنه اعتاد على ذلك، وهكذا تختلف الرسائل والمرسلون، كما يختلف الاستقبال والمستقبلون، فإن هذه الرسالة والتهنئة ستكون الأطول بين ما تم إرساله واستقباله.
أتقدم إلى شعب البحرين جميعهم، بالتهنئة بحلول شهر رمضان المبارك، وهي إحدى المناسبات القلائل التي لا يختلفون على أهميتها، ولا على حرمتها ومكانتها من النفوس، وإن اختلفوا على بداية الشهر من نهايته، وانقسموا بين الرؤية والحساب، وبين من يرى إن كان مقرّه شرق البلاد أو شمالها أو غربها، ولكن كل هذا لا يُهم، فما هو إلا يوم واحد، والمواسم قُلّب، فهذا يخطئ مرة ويصيب في الأخرى، ومن أخطأ في ترائي الهلال هذا العام، فلربما يصيبه المرات التالية، ومادام الأمر متعلق بمن يرجع إليه المسلم في صلاته وصيامه وباقي عباداته، فليعلّق الأمر في رقاب من تصدّوا لهذا الأمر الجليل، فليس له، ولا عليه إلا أن يواصل طريقه، فلا كل الناس سيتركون أمور حياتهم ليصبحوا فقهاء وعلماء في الدين، وهذا أدعى ألا نبالغ في هذا التعصّب في أمر لا يد لنا فيه، ونعلم أنه قائم على حسابات ربما لا دخل لنا فيها، بل ولا يمكننا تغييرها، ومع بُعد التشبيه، يصبح الأمر شبيها بساحة يلعب فيها اللاعبون المحترفون، بينما المشجعون على المدرجات أكثر حماسة وصخباً وضوضاء من اللاعبين أنفسهم، مع العلم أن الجمهور، ومهما عمل وتمنى وأطلق الصيحات والأبواق؛ فلن يمكنه تغيير ما يجري على أرضية الملعب، ولا يمكنه أن يميل بالنتيجة إلى صالحه.
سائلاً المولى القدير جلت قدرته، أن يعيد علينا شهر الصيام هذا العام على أفضل مما كنا عليه في العام الماضي، بل والأعوام الماضية في السنوات الأخيرة التي لم يكن فيها هذا الشهر، ولا الشهور الأخرى، سواء كانت العربية أو الغريغورية، على خير ما يرام، حيث يتربَّص الواحد منا زلات وهفوات الآخر، ويترقب شواذ الفتاوى التي تتطاير هذه الأيام يمنة ويسرة، وكلٌّ يحاول أن يسفِّه ما يأتي به الآخر، ويحقّر ما يصل إليه غيره، على اعتبار أنه هو فقط على الصراط المستقيم، ومن عداه هالك لا محالة. وأن نكون أكثر ألفة وتسامحاً وقبولاً لمن يختلف عنا، على اعتبار أن لا أحد سيرقد في قبر الآخر، ولا يجب على أحد أن يمرر معتقداته التي دَرَجَ عليها، وآمن بها، بفعل الولادة والتربية والنشأة، إلى الآخرين عنوة، وألا يسبغها على رؤيته الآخرين، وألا تكون هذه المعتقدات هي فيصل التعامل مع جميع من يتفقون معه ولا يتفقون، لأن هذا سيكون ظلماً وعدواناً كبيراً، حتى لو سوّغها بـ “الولاء والبراء”، لأن الأيام، ومهما طالت، فهي دول، وكفى بقارئ التاريخ أن يستخلص منها العبر والدروس، ويعلم أن ليس هناك وضع، أو دولة، مهما قويت وعظمت، استمرت قروناً متتالية، فكل ما نزرعه اليوم سنحصده غداً، فإن زرعنا اليوم محبة وتسامحاً وعدلاً وتوازنا، كان حصاده مشابهاً يوم يأذن الله أن تنقلب الأمور، ويتغير هبوب الرياح، فلننظر ما الذي نريد تركه لمن يأتي بعدنا من حصاد، وما الذي يمكن لتصرفاتنا اليوم أن تكون في رقاب من سيأتي بعدنا.
ودعائي للسياسيين، المعارضين منهم والموالين، المتشددين منهم والمعتدلين، الرسميين منهم والأهليين، وحتى الذين هم على ظهور السياسة، أو ما يشبه السياسة متعلقين، أن يقرأوا واقعنا بعين فاحصة، فإن الصيام فرصة للنزول من العلياء والأبراج، والتقرب، ليس إلى الفقراء والجائعين وحسب، بل وإلى البسطاء فكرياً، والكفّ عن جرّهم إلى المواجهات بأشكالها، حتى الإلكترونية منها. فإذا كان يُطلب من العبد ألا يحقرنَّ من المعروف شيئا، ففي المقابل، فإن “من يعمل مثقال ذرَّةٍ شرّاً يره”، فذرّات الشر تتطاير من حولنا، ويستصغر البعض، أو ربما ينسى أنه قدح شرارة نار أو حقد بين الناس، أو أنه رمى التهم والأوصاف ووزعها مجاناً في حومة الخلاف الذي استعر، والذي تلتقي على إثره اليوم رؤوس المشهد السياسي، يتصافحون ويتبادلون القبل والابتسامات، وينسقون فيما بينهم، ويُجرون المساومات السياسية بين “خُذ وهات”، بينما وقود ما جرى، وهم الناس، الجماهير، البسطاء الذين التهب وعيهم قبل سنوات قليلة مضت، لا يزال بعضهم يحمل حميّة الأفكار التي دافع عنها، ولا يزال بعضهم وكأنه لم يغادر تلك الأيام الشاحنة المشحونة، ولا تزال المفارقات حادّة جداً بينهم، والمشهد منقسم لديهم: إما الأسود الفاحم، أو الأبيض الناصع... هؤلاء أحقُّ بأن تجري إعادة تكوينهم السياسي من قبل من ألهبوهم حماسة، وأسعروا فيهم الانسياق، فهم الأقدر على ترويض الخيول الجامحة، وإن كانتْ خيول اليوم، في العموم، ليست في جموح ووحشية الأمس. فليس الناس جميعاً على درجة واحدة من الوعي، وليس ما صنعوه من تلطيخ بعضهم بعضاً متساوياً أيضاً.
وأن يهبنا الله، انطلاقاً من هذا الشهر، من الحكمة والرحمة والمحبة، ما يكفي أن يزيل كل أسباب الشقاق، ومن البصيرة كل ما يقربنا عبر محبة الآخرين، لا عن طريق إقصائهم، واحترابهم، وطعنهم في صدورهم تارة وفي ظهورهم تارة تحت مسميات ما أنزل بها، سبحانه، من سلطان... إنه سميع مجيب الدعاء.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .