العدد 2081
الخميس 26 يونيو 2014
مراصد الإنذار الاجتماعي المبكر غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 26 يونيو 2014

تختلف ردود أفعالنا إزاء الدراسات والمسوحات والأبحاث التي تجرى في الكثير من الدول الغربية، بعضنا يراها مهمة أو في غاية الأهمية، وبعضنا يراها مجرد ترف من أناس “فاضين” لا هموم لهم ولا مشاغل، فتراهم يراقبون النمل، أو يرصدون عدد من يتوفى في الساعة الحادية عشرة ليلاً من مساء كل سبت، أو تتبع اختفاء كلمات الشكر والتقدير والذوق العام من لغة الناس اليومية.
وفي الحقيقة، إن هذا الجهد العلمي الذي يأتي على أشكال متنوعة، كالاستطلاع، والاستبيان، والمقابلات المعمّقة، والدراسات الميدانية، والبحوث المعملية، وغيرها من أشكال البحث العلمي لا تأتي نابعة من فراغ العاملين فيها، إنما لأنهم يعرفون أن الكثرة العارمة من المشاكل التي تعاني منها المجتمعات، ومؤسسات المجتمعات لها جذور، ومن أراد حل المشاكل فليس عليه أن يتعامل مع ظواهرها، ورؤوس جبال جليدها، بل عليه أن يعرف قواعد المشكلات، ويرصدها من بداياتها، ويعرف كيف تتكون وتتشكل وتتراكم وتتكتل، ويبدأ في الإشارة إليها منذ وقت مبكر، وهي لا تزال خديجة رجراجة، قبل أن تستفحل ويصلب عودها، فلمَ الصبر والانتظار، أو التهاون والارتخاء إزاء أية ظاهرة سلبية أو خطيرة، بما للخطر من معان متعددة، حتى يصعب التعامل معها؟!
إن هذا المشهد نراه يتكرر كثيراً في واقعنا المحلي والإقليمي والعربي، حيث تصدمنا أمور تهتزّ لها القلوب التي بين الضلوع، وكأنها صعقة كهرباء، حينما نرى جماعة من الناس قد ظهروا فجأة وبدأوا يثيرون التساؤلات، أو ينشرون الرعب، أو يقوّضون السلم الأهلي الهش أساساً، عندها يسري الذعر بين الناس، وتعمّ الفوضى، وتبدأ المعالجات الرعناء لهذه الظواهر التي كانت تجول في ظلام ما تحت المشهد العام المشغول بمعاركه الخارجية، والمنكبّ على خلق حالة من الضوضاء الإعلامية في تبجيل رئيس، أو تزيين أعمال حزب، أو تأليه زعيم، كما هو الحال في العقود الأولى من القرن العشرين، وبالآليات ذاتها، والاستراتيجيات ذاتها، غافلاً عن تغيرات مجتمعية عميقة تحدث، وتنخر في الأسس التي يقوم عليها كل المجتمع، بما فيها الزعيم أو الحزب أو الحكومة التي يجري تلميعها و”تزغيط” الناس بها لكي تحبها، أو تخشاها، وحين تنهار الأسس فلا تجدي كل هذه الديكورات والمساحيق والدهانات التي يجري بها تجميل الشروخ العميقة وطمسها، لأن هذه الشروخ تكون قد وصلت حينها إلى الأعماق.
ولا آتي بجديد حين أقول إننا مجتمعات تحتاج إلى مراصد اجتماعية حقيقية لا لتتنصت على الناس على الطريقة المخابراتية، ولكن لتنصت إليهم وإلى نبضهم، وتعرف ثم تعرِّف المجتمع وصنّاع القرار على مختلف المستويات الرسمية والأهلية بالظواهر التي تستجد، وكيف يفكر الناس، وما العوامل التي ساعدت لأن تخلق المتطرف، والإرهابي، والمتشدد، واللاهي، وغير المبالي، والطائفي، والمناطقي... لكم أن تعددوا ما تشاءون من الانتماءات الأصغر فالأصغر التي لا علاقة لها بالنظرة الكلية للوطن، والتي لا ترى النور إلا في محيطها، وما خارج المحيط ليس إلا ظلاماً وجهالة وخروجاً عن النصّ والمألوف، وربما لا يستحق العيش، أو – على أقل تقدير – يستحق الشفقة لأنه مجانب للصواب.
وعلى سبيل المثال، فإننا في البحرين، في وضع رجراج على الصعيد الاجتماعي، ولا يمكن أن نستمر في الترويج – إلى الأبد – لأسطورة “الأسرة الواحدة”، والناس الذين لا يعرفون انتماءات بعضهم البعض، ولا يهمهم ذلك، ونستعيد بحنين أياماً كانت فيها الشرايين تغذي الشرايين، والناس للناس، فهذا “الفلكلور” الجميل بات يشبه زمن الغوص، فإن عاد الغوص من جديد – وهذا مستحيل – ستعود كل تلك الأمور المتحسَّر عليها. كما ظهرت في المجتمع ظواهر سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة ما كانت موجودة من قبل، أو كانت موجودة بأشكال وتحوَّرت وتبدلت، بعضها اختفى، لماذا؟ وبعضها بدأ يتصاعد ويأخذ أشكالاً ما كان عليها من قبل، وتتسع رقعته، كيف؟ ولماذا؟
كل هذه الأسئلة تحتاج إلى دراسات لا تقدم الإجابات الجاهزة السهلة، ولا ترمي المسؤولية على الآخرين، ولا تتعامل معها تعامل العجائز بأننا “محسودون”، ونطوي الملفات بعد التوصية بالبخور وقراءة المعوذات. لقد عرفت الدول الغربية أهمية الدراسات الإنسانية بعدما مرّت في العشرية الأولى من هذا القرن بالتهديد من قبل الجماعات المسلحة، شعرت المجتمعات بالاضطراب والخوف على أن تفقد مكتسباتها التي بنتها على مدى القرون، فتم تخصيص جزء مهم من البحوث، التي كانت منحصرة أكثر الوقت في الجوانب العلمية التطبيقية من دون الالتفات إلى الحراك الاجتماعي، إلى هذا الجانب، إلى الناس بمختلف طبقاتهم ومكوناتهم، إذ كان يسود اطمئنان بأن الناس يعرفون ما يريدون، والإعلام المكثف صاغهم صياغة تلهيهم، وتقلل احتجاجاتهم، وتبيّن خطأهم الفادح في هذا الأمر، إذ نشأت – تحت لواء الحريات الذي يجب أن يظل يرفرف – الكثير من الخلايا الهامشية المتكوِّرة على ذاتها، وترفض الانصياع، أو الذوبان، أو الاندماج في المجتمع، فتتكون مسافة متوترة بينها وبين الجسم الأكبر، تشعر أنه لا يتفهمها، ويشعر المجتمع أنها لا تريد أن تكون جزءاً منه.
إننا اليوم، وفي كل بقاع هذا الوطن الكبير، بحاجة جدُّ ماسة لمراصد اجتماعية علمية، حتى لا تتجذر لدينا هذه التكوينات التي لا نملّ من التفاجؤ بها، ولا نتعب من السؤال: متى صار بيننا أناس بهذا الشكل، وهذه النفسية، وهذه الطريقة في التفكير؟
وبموازاة هذه الأهمية، هناك أهمية أن تؤخذ هذه الدراسات وهذه النتائج مأخذ الجد، لا أن تركن على الرفوف، ولا تعامل باستهتار وتراخٍ وتعالٍ وغطرسة حتى يأتي اليوم الذي يصعب من بعده علاج ظواهر لم تعالج في مهدها، والأهم أن تعالج معالجات عصرية لا تنتمي إلى عصر “لخّه... واكسر مخّه”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية