انطلقت منذ سنوات بعض الدعوات شبه الخجولة الداعية لعدم إيلاء نتائج الثانوية العامة كل هذا الزخم الكبير في الصحف المحلية، على اعتبار أن هذه الشهادة لم تعد ذات قيمة كبيرة في حياة الفرد كما كانت قبل خمسين عاماً مضت، فاليوم ربما تحل محلها شهادة البكالوريوس في القيمة ذاتها، على اعتبار أنها العتبة الأولى التي يمكن أن تُدخل صاحبها إلى سوق العمل، وهذه الشهادة الجامعية ستفقد – مع تقدم الزمن – زخمها أيضاً، إذ سيبدأ عالم الأعمال البحث إمّا عن شهادات أعلى، أو أكثر احترافية وتخصصية.
ولكن الصحف لدينا تناسخت هذا “التقليد” الذي بدأ منذ سبعينات القرن الماضي، وذلك ليس لأهمية ومكانة الشهادة الثانوية اليوم، ولكنها مناسبة للمزيد من المبيعات، وحتى لا تبدو أية صحيفة وكأنها بعيدة عن نبض الناس وما يودّون أن يروه، حتى وإن كان هذا الأمر بعيدا عن تقاليد الصحف العريقة، ولا علاقة له بالحرفية والمهنية، وبالتالي كانت هناك صفحات في الماضي تفتح لهذا الغرض، وتحولت بعدها إلى ملاحق ملونة، وفتح صفحات أخرى للتهاني، ولكي يرى الناس أبناءهم، وأبناء أصدقائهم، ومن نجح ومن تفوّق، وما الذي يفكر فيه الأوائل، حتى وإن كانت تعبيراتهم لم تختلف حول طبيعة الدراسة، وإرجاع الأفضال في التفوق إلى الوالدين والمعلمين، وشكوى من يحصلون على نسبة 99.9 % من “ظلم” وقع عليهم في التصحيح، وأنهم كانوا يتوقعون نتيجة أفضل! هذا إلى جانب “المانشيت” السنوي الذي لا يملّ التكرار “الطالبات يكتسحن قائمة المتفوّقين”. ناهيك عن حفلات التخرج والتكريم التي ستتلاحق ولن تنتهي إلا ببداية العام الدراسي المقبل.
وفي السنوات الأخيرة صارت عملية إعلان النتائج ساحة للمساجلات السياسية، كما هي عملية القبول في المعاهد والجامعات، وذلك بالمطالبة بإيراد الأسماء كاملة، مع الرقم السكاني مضافاً إليهما النسبة التنافسية التي أهَّلت هذا ولم تؤهِّل ذاك للحصول على بعثة أو منحة أو القبول في جامعة أو معهد، والتركيز على قطاعات، وغضّ الطرف عن قطاعات، والقائمة تطول وتعرض ولا أحد يمكن أن يوقف هذا التيّار الجارف من المماحكة.
ما تقدَّم مضاف إليه ما حدث في 2011 وما بعدها، قاد اليوم لأن تصبح نتائج الثانوية العامة عقدة يدور عليها الحديث، ويتسّع ويطول في مسألة تحقيق النَّسَب الأعلى على المستوى الوطني. والحقَّ أقول، فإن ما شهدته الصحافة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وما زاد عليها من تعليقات، كان أشبه بالقيح الجارف، مع الاعتذار عن هذا التشبيه البالغ السوء، ولكن ليس من شيء يمكن أن يشبهه في سوئه وقذارته. هذا الترامي في أحضان التشظّي صارت له مبرراته، والمباهاة به، والتسويق له، وصار كل قوم بما لديهم فرحون، وعلى غيرهم ناقمون، يعدّون كم في قائمة التفوق من هذه المنطقة أو من تلك، ووراء الأكمة ما وراءها مما لا يخفى على أحد، فالمنطقة تعني الطائفة، والطائفة تعني التفوق وغرز الإصبع في عين الآخر، وهذا يتّهم، وذاك يردّ عليه، وهذا يشرح ويبرر، وتلك تشظّي، وأولئك يطالبون، وآخرون يتساءلون، لِمَ كل هذا؟ منذ متى والبحرين تتساءل عن من نجح أو رسب أو تفوَّق أو أحسن أو أساء نتيجة انتمائه؟ ومنذ متى كان الانتماء إلى طائفة يعني نجاحاً أو فشلاً أو تفوقاً أو رسوباً أو حُسناً أو قبحاً، حتى وكأنّ الفضل يعود إلى الانتماء الطائفي في كل ما يحدث وليس لأنه استعداد شخصي، وتحدٍّ ذاتي، ودافعية لها أسبابها المختلفة، التي قد (أكرر: قد) يكون للوضع الاجتماعي، والسياسي، والمذهبي، والمناطقي، والاقتصادي، ولكنه ليس بالأمر الحاسم، لأن لوائح الشرف قد أرتنا في السنين الفائتات تنوعات كثيرة بين بحرينيين وغير بحرينيين، ووضعت أمامنا أناساً من مناطق مختلفة، وأديان متنوعة، وجنسيات مختلفة، ومذاهب شتى، تتقدم عوامل سنة، وتتقدم أخرى سنة تالية، ولا ضير أو تساؤل أو عصبية أو استيحاش من تفوّق الأبناء والبنات، على اعتبار أنهم – في نهاية المطاف – سيصبّون عصارة جهدهم وتفوّقهم ونبوغهم وعطائهم في حقل البحرين الواسع ليزهر كلّه، لا منطقة بعينها، ولا سيكون ما يصلون إليه حكراً على طائفة، ولا مِلَّة ولا مذهب ولا حتى حيٍّ بذاته.
حسن.. لنقترب أكثر. لقد بدأ اللجاج من مقال صحافي، ومع الاختلاف الشخصي مع ما جاء فيه وطريقة المعالجة، وهذا حقٌّ لا يمكن المزايدة عليه أو النيل منه أو احتكاره، فكما أن للكاتب الحق في إبداء وجهة نظره، ومادام قد عرَض أفكاره على سوق الناس، فليتقبل ما يرد عليه من اختلاف بحقِّ الرد والتصحيح والتعديل، فلكل وجهة نظر ما يقف ضدّها بدرجات متفاوتة من الاتفاق والاختلاف؛ فإن الأمر قد فتح، على الجانبين، انتفاخات مؤجَّلة سالت على إثرها أوساخ وقاذورات كانت تنتظر هذا المشرط لكي يفتحها، مع العلم أن المشرط أداة جامدة باردة، والاعتماد هنا على الذي يحمله إن كان طبيباً أم جزَّاراً... عندها تعالت صيحات “أنتم ونحن”، ومقارنات “نحن وهُم”، ومفاضلات “أبناؤنا وأبناؤهم”، وذهب البعض ليعدّ بالأرقام كم اسماً يُشمُّ منه أنه ينتمي إلى هذه الطائفة أو تلك، ويجري تعزيز الأسماء بالمناطق التي تقع فيها مدارسهم، للخلوص إلى النتيجة أن هناك طائفة “أذكى” وأخرى “أغبى”، وكأن المسألة “باكيج” يأتي مع الانتماء المذهبي، وهذا لعمري خسرانٌ مبين في التفكير الذي لم يُعدم مثقفين قد انساقوا وراءه بشكل جليٍّ أو خفيّ، وهذا ما سينعكس عمّا قريب على البعثات الرسمية وغير الرسمية، وكلها امتدادات وذيول لرواسب لا علاقة لها بالحق والباطل، والصواب والخطأ، بل بالتفتت والانحشار في ضيق الطائفة بدلاً من الانطلاق إلى سعة ونقاء جوّ الوطن الشامل.. هذا الوطن الذي بقي المنسيّ الأكبر في هذه الملاحاة بين الطرفين، فلم يلتفت إليه أحد، بل صار العُجب والمفاخرة والاستياء والمغالبة على ما فُتاته وتفتيته.. فهنيئاً لكم حبس الأكسجين عن رئة وطنكم.