عندما انطلق صوت متحدث من مجموعة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) يحث أتباعه على “الزحف” إلى بغداد، وتحديد كربلاء بالاسم من ضمن النقاط التي يحمِّس أتباعه لاتخاذها هدفاً، كان قد رسم نصف الدائرة، التي أكملها آية الله علي السيستاني بأن دعا إلى محاربة هذا التنظيم الطفيلي، ولأنه مرجعية شيعية فلن يستجيب له إلا من يؤمنون بمرجعيته، وبالتالي تم إقفال الدائرة الطائفية في الصراع الدموي الدائر الآن في ذاك البلد الذي كتب عليه القتل والقتال حتى الإنهاك، وهو الأمر الذي فاض، أو سيفيض عمّا قريب على كل من حوله، وسيغدو العراق كالثقب الأسود الذي يبتلع جيرانه في حفرة لا قرار لها.
فإذا كان العراق قد عاش في سنواته السابقة للعام 2003، رجوعاً حتى تولّي حزب البعث مقاليد الحكم فيه، حالة من التوتر السطحي الذي أبقى فيه الحزب الجميع خائفا من الجميع، والجميع مستعد للوشاية بالجميع، والجميع يخشى الدولة، على اعتبار أن هذا هو الأمن والاستقرار، فإنه بذلك لم يخلق دولة، ولكنه جمّع مياه النار خلف السدّ، وما إن انهار السد في التاسع من أبريل 2003، حتى تدفقت أمواج هذا الماء تتلاطم وتحرق في طريقها كل ما تلقاه، وتسيّل الدماء سخيّة ساخنة في الأسواق والحواري ودور العبادة والمدن والأحياء، بأيدي العراقيين أنفسهم، وبأيدي جحافل المخابرات التي تتمخطر في أرضه جيئة وذهابا، وكلٌ يضع علاماته الحدودية على المنطقة التي تكثر فيها أنفس أتباعه، بالضبط كما تضع الحيوانات علامات تدّل على مناطق نفوذها... إحدى عشرة سنة والعراق يربّي التطرف والطائفية عبر جميع أشكال الممارسات ورخاوة الحدود، والمؤامرات والخيانات والفساد الذي ضرب بأطنابه في هذه الأرض التي لكل عربي منها حبة تراب معجونة بنسيجه ووجدانه وفكره.
اليوم ينقسم الناس في العراق، فيصل الصَّدع إلينا هنا، فيختلفون أيضاً بالشاكلة ذاتها التي يختلفون على كل شيء منقسم على طائفتين. هذا لا يرضى على “داعش” مبرراً ما يرى ويُنقل عنها بأنه محض اختلاق وافتراء، وأنه “مفبرك” ضدها، إذ لا يمكن لأي عاقل أن يصدق الصور المنشورة إذ يمكن التلاعب فيها بحسب زعمهم، وأن ما يقال ويشاع لا يعدو محاولة تشويه فاشلة، وأن “داعش” ما هي إلا فصيل من فصائل سنية ضجت من حكم المالكي، وكانت تتململ منذ شهور.. وذاك لا يرى في “داعش” إلا مجرمين قتلة كفرة مكفّرين، وكل ما يفعله المالكي هو بؤبؤ عين الصواب، والفتوى بالخروج إليهم هي من أجل حفظ الوطن والدفاع عن المناطق السنية وحماية أهلها، وليس للمقاتلة الطائفية، ولا للاحتراب الذي هو عنوان هذا البلد الكبير الذي ينوء بحمل خطايا أهله منذ زمن ليس بالقصير.
لقد فشل حزب البعث على مدار العقود التي حكم فيها هذا البلد أن يحوّله إلى “دولة”، فكان الحكم بالنار والحديد والتسكيت والإرهاب هو السائد فيه، فدان له الإقليم بما فيه وبمن عليه، لا لقناعة بالضرورة، ولكن خشية واتّقاءً لما يمكن أن يلاقيه الناس من عسف وجور إن هم “فكّروا” أن يفكروا بأمر لا يتوافق مع الحزب وسياقه، وهو الأمر نفسه الذي يحدث في جميع الديكتاتوريات، ولكن بأشكال مختلفة، ووجوه مختلفة. وكذلك فشلت السلطات التي تولّت الحكم فيما بعد هزيمة الحزب، في أن تخلق دولة، وأول ثمار الفشل إقليم كردستان العراق، وما تطمح إليه المخططات الاستعمارية بوجوهها الجديدة، بتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم، وهي العملية شبه الجاهزة والناجزة اليوم، بدأتها السلطات الأميركية في بداية الأمر، وأكملها المالكي منذ أن تم انتخابه المرة تلو الأخرى، لتتكرس الطائفية والمحاصصات التي تقوم عليها، وعليها تنفرز موازين القوى في هذه السلطات، ووراء الطائفة تم بناء الأحزاب والكتل النيابية، وجرى ترسيخ مبدأ “هذا منّا وذاك منكم”... العراق ماضياً وحاضراً، كان وراء المشهد، وفي ذيل الترتيب، وآخر الهموم والاهتمامات، في البدء تقديم الحزب عليه، وفي التالي تقدمت عليه الطائفة والعرق، ولا ندري ما الذي سيأتي به الختام.. تعلقنا بالأمل الراعش، فقضى عليه المالكي و”داعش”.
في هذا المشهد الذي يملأه الدخان، ويضجّ برائحة البارود، ويهتزّ جوّه بصيحات متباينة كلها تدّعي وصلاً بالخالق جلّ في علاه، وطلباً لرضاه، وتقرّباً منه بإبادة الطرف الآخر؛ نجد أنه، وللمرة التي لا يمكن التوصّل لعدّها، أن أهالينا اتخذوا المواقف نفسها، وبدأوا في نصرة من يشبههم، مستخدمين الحجج والأسانيد التي ترفد مواقفهم، ويبررون الخطأ بحماس، ويشيحون عن كل ما يمكن أن يقدح في موقفهم وكأنهم لا يرونه، أو لا يعنيهم في شيء. ونرى العلماء كالبسطاء، والمثقفين كالهامشيين، يرتدي كل منهم أردية تشير إلى مستواه الاجتماعي، ويشغل كل منهم مواقع مختلفة في السموِّ والدنوّ، ولكنهم يجتمعون على كلمة لا سواء فيها، فكلٌّ يبدأ يومه وينهيه بما تراه له، ونيابة عنه طائفته. بعضهم يمنطق كلامه، وبعضهم لا يستحي، ولا يجد حرجاً أن يتساوى مع الدهماء في تفسير الحادثات. يبحث المرء في هذا الإعصار عن عاصم يعصمه من الانزلاق في الفتنة حتى لا يكون جزءاً من حطب لهيبها، حتى لا يصحو يوماً إثر كابوس ركّبه بيديه، حتى لا يكره نفسه إنْ هو ساند الظالمين ومالأهم في أية جهة كانوا.
إنّ ما يجري في العراق اليوم، وهذا الاحتراب الشنيع الذي يسري في خلاياه وأوصاله، بمثابة المرجل الذي يغلي ويكاد ينفجر، فإن انفجر فلن تنجو منه بقعة في هذا الخليج، حيث ستكون الحرب الطائفية مفتوحة ومقدَّسة، وستجرّ وراءها الحشود الأكبر، ليس في العراق وحده، وإنما ستتسع الرقعة إلى الحد الذي يصعب من بعدها أن يصار إلى أصل المسألة، وستسحب هذه الحرب كل من كان يغالب شهوة الاصطفاف الصريح مع طائفته، حينها فقط نستطيع أن نصدق أننا جميعاً هُزمنا.