لفتني تصرف أحد المسؤولين في الدولة في واحدة من المناسبات التي أقيمت حديثاً وذلك أثناء الترتيب لإقامة احتفال (ما) تحت رعايته. إذ غالباً ما يجتمع فريق من الطرف المنظم للفعالية، بفريق من طرف راعي الاحتفال، ويجري في هذه الأثناء وضع جميع التفاصيل، صغيرها وجليلها، على الطاولة، ويجري توزيع المهمات، من سيكتب رسائل الدعوة، ومن سيوجهها، وخط سير راعي الحفل، وجدول الاحتفال، وكم دقيقة سيستغرق الحفل، هل هناك كلمات؟ كم عددها؟ من سيلقيها؟ بل، ماذا سيُكتب في هذه الكلمات أيضاً، هل هناك سجاد أحمر؟ هل هناك شريط للافتتاح؟ هل المقص جاهز؟ هل ستقدم لراعي الحفل باقة ورد؟ ما الذي سيراه الراعي في أثناء مروره؟ هل يفضل العصير أم القهوة؟ من سيقدم القهوة؟ هل تقدم معها السمبوسة البحرينية الحلوة أم التمر؟ هل يفضل السمبوسة المشوية أم المقلية؟ وإذا كان تمراً فأي التمور الأقرب إلى ذائقته؟ ما نوعية الورود التي ستوضع أمامه على الطاولة؟ بيضاء؟ حمراء؟ صفراء؟ ما حجم الباقة؟ ما الذي سيكون على الطاولة من كتيبات؟ و... هل ستقدم لراعي الحفل هدية؟ ما نوعها؟ ما حجمها؟ ما وزنها؟ من سيقدمها؟ ومتى؟
كل هذه التفاصيل، وغيرها الكثير أيضاً من التفاصيل التي لم أشأ أن أحشرها في الفقرة السالفة، تمرّ بشكل دوري على منظمي الاحتفالات والفعاليات والمناسبات، ومعروف أن هناك أطقما لرعاة الاحتفالات يدققون في كل التفاصيل، ويحرصون على أن تظهر الاحتفالات على وقائع دقات “بيغ بن”، وبعضهم أيضاً يبالغون في أن حدوث أي خلل، مهما صغر، يعني اقتراب الساعة، وانهيار الحياة، بينما راعي الحفل والحضور ربما لم ينتبهوا إلى هذا الخلل أو النقص، ولكن البعض يكتسب أهميته الخاصة من هذا النوع من الممارسات التي لا شأن لها وما وصلت إليه البشرية من تطورات، وما تنشغل به من منجزات، بينما أكبر منجز لدى البعض أن يكون لون دلة القهوة مطابقا للون صينية السمبوسة الحلوة!
ما لفتني في المسؤول/الراعي الذي بدأت به السرد، هو أنه أبلغ الطرف الآخر الذي يقيم الاحتفال تحت رعايته، أنه لا لزوم لتقديم هدية له!
حسناً، وما الشيء المهم في هذا التصرف؟
أبلغني من أعرف في ذاك الطرف المقيم للاحتفال أن هذه الرغبة من قبل راعي الحفل أزاحت عن كواهلهم همّاً ليس بالصّغير يذهب إلى البحث عن ما يليق بمقام راعي الحفل، وصرف جهدا بدنيا ونفسيا وذهنيا للبحث عن الهدية المناسبة التي تقدّم إلى راعي الحفل، وهي عادة ما تكون من الهدايا القيّمة التي توضع في المكاتب. ولكي تكون الهدية مناسبة ولائقة ومعبّرة فلابد أن تكون “ثقيلة” الوزن إلى حدٍّ ما، بحيث يمكن حملها، ولكن لا يمكن الوقوف بها إلا لنصف دقيقة لترك مدة كافية للمصورين لتوثيق هذه اللحظة. ولكي تكون لائقة هذه الهدية ومناسبة، فلابد أن تكون ذهبية.. وإياك أن لا تكون ذهبية، فليس كالذهب معدنا يليق بالهدايا. ولأننا من الأمم التي تنظر إلى القيمة المادية للهدية وليس إلى رمزيتها، فإن سعر الهدية يجب ألا يقل عن خمسة آلاف دينار، لكي تعبر عن شكر المؤسسة لراعي الاحتفال على تفضله بأن شمل هذا الاحتفال، أو ذاك الافتتاح، أو المناسبات، برعايته... وليست هذه بمشكلة أيضاً، فكما يقول المثل الشعبي “مال عمّك ما يهمّك”، فيمكن لشركة أو مؤسسة أو وزارة أن تشتري من الهدايا ما تشاء، وبالقيمة التي تراها موصلة للشكر والتقدير لراعي الحفل، فلا أحد سيدفع من جيبه، أو كما يقول المصريون “من حُرِّ ماله” شيئاً؛ ولكن المشكلة إذا لم تتوفر في السوق المحلية الهدية المناسبة. أو أن ما يتوفر محلياً إما أنه لا يليق، أو مع جماليته فإن سعره بخساً، ربما ألف أو ألفا دينار فقط! عندها على الجهة المُهدية إما أن تطلب هدية من خارج الحدود، وهذا ربما تكون فيه مخاطرة من حيث الحجم والوزن والأبعاد، ويجب الاطمئنان على أن اللمسات الأخيرة، أو الـ Finishing للهدية يجب أن يكون على أعلى وأرقى مستوى.. ما الحل إذا؟ يجب أن يسافر أحدهم ليوم أو يومين ليجلب الهدية، وليس أي شخص هذا الذي تُسند إليه هذه المهمة، بل لابد أن يكون من الشريحة المتقدمة في المؤسسة حتى يعرف ما التفاصيل، وما الذي يحبه الراعي وما لا يحبه، شخص خبر المراسم، ويعرف “السنع” والأصول، إذاً، تذكرة سفر على درجة رجال الأعمال، وإقامة، وتنقلات، ومخصصات سفر، وهدية ببضعة آلاف!
هل يعلم “الرعاة” بكل هذه التفاصيل التي ينشغل فيها الداعون لأسابيع، والكلف المادية التي يتم تخصيصها لهذه الهدايا، وما وراء الكلف من مجهودات تبذل، لا للمناسبة نفسها، ولكن لما حول المناسبة، وما وراءها مما لا يُرى، ولكنها تستنزف الكثير من المقدّرات، وبما أن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي مجتمع، فهو النازف الأكبر في كل هذه الطقوس التي صارت جزءاً لا يتجزأ من الاحتفالات، والمؤتمرات، وورش العمل، والافتتاحات، والمناسبات، ويمكننا أن نحسب عدد الفعاليات التي تقام سنوياً لدينا، ونتخيل كمّ المبالغ المادية والمعنوية والنفسية التي تنفق على الهدايا، فتذوب وتتبخر في لحظة، ولا يبقى لها أثر، ولا تنعكس بشيء ذي جدوى على أيٍّ من الأطراف التي تتبادلها، وليست لها فائدة إلا في خزينة الباعة أنفسهم.
من هنا، يحق لي أن أَعجب من طلب المسؤول الراعي بعدم الحاجة للهدية، وأُعجب بهذا التصرف أيضاً، لأنه، ربما يعلم أو لا يعلم، وفّر مالاً وأعصاباً وجهداً لا لزوم لصرفها في شيء لا فائدة ترجى منه، على أمل أن يشكل هذا التصرف “وباءً” لدى باقي الرعاة، ليخففوا عن العبء، ويحفظوا المال العام، ويزرعوا ثقافة مغايرة.