العدد 2067
الخميس 12 يونيو 2014
ترويج العته.. الإعلام عندما سوَّق “فئران” أوباما غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 12 يونيو 2014

في فيلم يعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي لم يلق نصيباً من الشهرة الجماهيرية على الرغم من جودته الفنية، يقوم الكوميدي البريطاني بيتر سيلرز، في فيلم عنوانه “يحدث هناك” Being There، بدور بستاني في بيت رجل ثري، كل حياته مرتبطة بالحديقة، منعزل، لا يعرف العالم إلا من خلال ما يقدمه الإعلام في التلفزيون. تتطور الأحداث ويموت صاحب البيت، ويجد نفسه خارج المنزل بلا عمل، وصدفة يلتقطه تلفزيون في برنامج جماهيري يناقش قضية اقتصادية حساسة، بينما البلاد تغرق في الكساد والبطالة والاضطرابات، ويعتقد مقدم البرنامج أنه أمام خبير اقتصادي محنك، فيسأله عن توقعاته في الأيام القادمة بالنسبة للأمة. ولأنه لم يفهم السؤال لأنه أكبر بكثير من إمكاناته العقلية البسيطة، يردّ البستاني، من معرفته المحدودة بالعالم من خلال النباتات قائلاً: بعد الخريف لابد أن يأتي الربيع.
يفغر المذيع فمه دهشة، وترتسم على ملامحه علامات السرور ليقول: إذاً نحن على أعتاب انتعاش اقتصادي جديد!
وتسري بين الجمهور آهات الارتياح وتنفس الصعداء، وتبدأ حركة جيدة في الأسواق، لأن “الخبير الاقتصادي” يرى بثاقب بصيرته أن الأمور ستكون في تحسن.
صورة البستاني هذه استدعتها ذاكرتي وأنا أراها بخمارها الأخضر، ولباسها المصري البسيط الاعتيادي، سيدة متحمسة تصيح في الساحة، اقترب منها المايكروفون، التقطها والتقطته وهي تصيح بأعلى صوتها، بلغة إنجليزية عرجاء معجونة باللهجة المصرية، طالبة من رئيس الولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما أن يغلق فمه (شت آب يور ماوس أوباما)، وأن الإخوان المسلمين كذابون ومجرمون، وأنه “لا لمرسي... نعم للسيسي”. هذا المقطع المصوّر الأول، أرسله لي أحد مناصري الرئيس المخلوع محمد مرسي في إشارة ضمنية “هؤلاء هم مناصرو الرئيس المقبل”. ولم يخطر على ذهن أحد أن يكون لهذه السيدة التي تدعى منى البحيري، شأن عظيم في الإعلام، لا من باب السخرية والاستهزاء، بل تعدّت هذا الأمر لأن تصبح ضيفة على محطات إذاعية وتلفزيونية متعددة، بل وضيفة على الدورة الثالثة عشرة من “منتدى الإعلام العربي” الذي أقيم في دبي الشهر الماضي، ويصطف إلى جانبها مسؤولون ينظرون ببلاهة إلى الكاميرات وهي تخطف الأبصار، ويُطلب إليها الإدلاء بالتصريحات.
بعد الظهور العفوي المضحك الأول، صار ظهورها يعني شعوراً متضارباً يراوح ما بين التقزز والشفقة. التقزز من هذا التردّي الإعلامي الكبير، والشفقة على سيدة بسيطة لا تدري إلى أين تأخذها هذه المحطات المتقافزة كحبات الذرة (الفشار) الساخنة والتي تريد أن تُضحك الناس وتسلّيهم وتملأ ساعات البث بما يجذب المشاهدين والمعلنين، واليوم ما إن يصلني مقطع على الهاتف ألمح في أغلبه اللون الأخضر، حتى أبادر إلى مسحه حفاظاً على ما تبقى من ذائقة عاثت فيها الوسائط الجديدة عبثاً وتخريباً وجرّاً إلى الأسفل وإقناعنا بقبول الواقع وعدم الانعزال ومحاربة طواحين الهواء.. وحفظاً لما تبقى من إنسانية ترفض العبث المركز والممنهج ضد الإنسان وكرامته في سبيل أن يحولوه إلى مادة للسخرية العامة وعلى أوسع نطاق، بل وبرعاية رسمية.
هذه “الفقاعة” الإعلامية جرى “استخدامها”، أو بالأحرى “استغلالها” بأكثر أشكال البشاعة وضوحاً للشركات الإعلامية التي تهدف لترويج السطحية والعته، وخلال الأشهر القليلة الماضية، صدّقت السيدة البحيري أنها ناطق رسمي باسم المصريين، تخلّت عن عفويتها الأولى وأخذت سمة المسؤولين أثناء التصريحات الرسمية، بوقار مصطنع، وشرعنت لخطابها الساذج، وصارت تقول جملها شبه المفهومة ذاتها في كل مقابلة تقريباً، وبشكل أكثر سوءاً وركاكة في كل مرّة، لأنها لو استطاعت أن تحسّن جملها عبر أي وسيط، لانفضّ من حولها الإعلام ولما عادت تعني شيئاً، ولفقدت ميزتها النسبية.
إن كانت الشكوى في السابق، وفي الكثير من البلدان العربية، إن لم تكن أجمعها، من تسلط التلفزيون/الإعلام الحكومي السلطوي المتخشّب والمبالغ في احتشامه، وغير المتماشي مع العصر، والواقف حاجزاً بين الناس والسلطة حتى لا يكون مساق المعلومات في اتجاه واحد؛ فإن الكثير من التسابق الذي يجري عندما فتحت البوابات للخيول لتنطلق، قد أفقد عدداً من هذه القنوات والأجهزة ومتخذي القرار فيها صواب ما يجب وما لا يجب عرضه، وصار الكثير منها في سباق، وليس في تكامل، مع التواصل الاجتماعي، ما جعل الطرفان يقتربان من بعضهما أكثر، ولكن في الزوايا الخطأ التي من شأنها أن تخلف تشوهات في الإعلام القائم على المؤسسة، وليس الإعلام المنطلق من مجرد فرد أيّاً ما كان مستوى نضجه وفنه وإبداعه، إنه لقاء الخواء بين طريق فائق السرعة للوصول إلى الرأي العام، ولكن تستخدم أسوأ العربات، وبأرخص أنواع الوقود، ويقودها أردأ السائقين، ولنا أن نتخيل سباقاً في هذا المستوى.
قيل إن بعض نجوم الإعلام العرب أكلته الغيرة لتسليط الأضواء في دبي على البحيري، بينما هم يأكلون أظافرهم توتراً لعدم الالتفات لهم. وما إن نبحث عن منى البحيري، أو “أم نسمة”، حتى نرى الإنترنت قد ضجّ متابعة ونقلاً وتحليلاً وتحليقاً ومساندة ومضاددة، لـ “ماوس أوباما”، وما وراء هذا الاحتفاء الإعلامي غير المسبوق في عصر الفوضى غير الجميلة وغير الخلاقة إعلامياً أو فكرياً. لا أظن أن ظاهرة منى البحيري ستبقى أكثر مما صمدته في الشهور القليلة الماضية، فلقد أعطت ما لديها، وسكن غبار الانتخابات في مصر، ولم يعد من حاجة لظهورها مجدداً.. ستخرج هي كفرد من هذه التجربة بعدد من الشهور المختلفة التي لم تعشها في حياتها من قبل وليس من الأرجح أن تعيشها لاحقا، وببضع سفرات واستضافات، ومقاطع مصوّرة ستحتفظ بها لتريها الأحفاد لاحقاً. أما الإعلام فهو الذي سيستمر في خلق أناس آخرين يعبّئون هذه المسافات الزمنية التي لا ترحم أملاً في استقطاب المشاهدين المشتتين.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية