بقراءة ما سطره رئيس تحرير الزميلة “أخبار الخليج” ورئيس مجلس إدارتها الأستاذ أنور عبدالرحمن يوم الخميس الفائت، عن التلويح بعدم النشر من الأخبار الرسمية التي تفيض بها دوائر العلاقات العامة في الوزارات والمؤسسات الرسمية، إلا ما له فائدة؛ انتابتني مشاعر مختلطة في شأن الصحافة وعلاقتها بالحكومة (وليست الدولة)، هل هي علاقة مصلحة أم علاقة رسالة ومهنة؟.
وبقدر اختلاط المشاعر والأفكار، فإنني أرجح أن يأتي هذا المقال في السياق نفسه من الاختلاط، ذلك أن هذا التصريح قد تأخر بعمر “أخبار الخليج” ذاتها، أي جيل ونيّف، إنه 38 عاماً، كان على الصحيفة الأقدم في البحرين أن تسنّ هذه المسافة الفارقة بينها وبين المؤسسات الحكومية، فلقد اعتادت هذه المؤسسات أن تنشر كل ما ترسله إلى الصحافة ـ وبالتالي ورثت الشقيقات الأصغر (الصحف التي أتت تالياً) هذا التقليد الصحافي، ولم يقف الأمر عند تباهي الوزراء بنشر صورهم، وكثرتها، بل امتد الأمر إلى الوكلاء والوكلاء المساعدين، كلٌّ يريد أن يُظهر نفسه حتى إذا ما حدث وجاء تغيير وزاري “وهذا قليل ما يحدث في ذلك الوقت”، أو إذا استرجع الله أمانة أحد المسؤولين، فيكون هناك من لمّع نفسه بما فيه الكفاية ليكون مرشحاً بقوة لهذا المكان. بل إن مسؤولاً سابقاً في مؤسسة رسمية كان يرجع الفضل في وصوله إلى منصبه إلى أحد الصحافيين بالتحديد لكثرة ما كتب عنه، وأجرى له المقابلات، ولمّعه فأحسن تلميعه.
ويهتم وزراء، أكثر ما يهتمون، بترتيب نشر صورهم، من قبل من؟ ومن خبره فوق من؟ بل ويتصل بعض وكلاء الوزارات غاضبين مرعدين مزبدين في رؤساء التحرير، لأن أخبارهم أتت أسفل أخبار وكلاء آخرين أحدث منهم في التوظيف، ويرتعد المسؤولون الصحافيون، أو يريدون أن يريحوا دماغهم من اتصالات أول النهار الغاضبة، فيبالغون في التأكيد على الشكليات، ويطلبون من الطواقم ألا يفرطوا في الترتيب، فانتقل الاهتمام من الجوهر إلى المظهر، وهذا مريح للمسؤولين الذين يجرون مقابلات كان الراحل الكبير الدكتور علي محمود، مدير المكتب الإقليمي لوكالة الأسوشيتدبرس في البحرين يسميها أخبار السوفا أو الأريكة (Sofa News)، وهي التي تكون مرفقة بصورة فيها مسؤول جالس على الكرسي، يبتسم هو والضيف، سواء كان الضيف محلياً أو خارجياً، ويكون مركز الاهتمام في الخبر أن اللقاء تم في العاشرة والربع من صباح الأمس في ديوان الوزارة، وبحث الطرفان العلاقات الوطيدة، وتوطيد العلاقات التاريخية، والأمور ذات الاهتمام المشترك بين الطرفين. ونتساءل: ما الذي خرجنا به من الخبر؟ وما الذي جرى بحثه؟ أين المعلومة التي تصنع من الخبر خبرا؟ فلا نجد جواباً.
مع التغيرات التي حدثت منذ 2001، خفت حدة هذا الضغط الكبير لنشر كل ما يأتي من الوزارات، ولكن هذا لم يكن ليمنع الطرفين (المؤسسات الرسمية والصحف)، من تبادل المصالح، فمسؤولو الإعلان في الصحف، المدفوعون من رؤساء التحرير، الذين يريدون أن يقدموا لحملة الأسهم في آخر العام تقريراً متخماً بالأموال، يلجأون عادة إلى التفاوض مع المؤسسات، وبعضهم يلمّح بأن المؤسسة إن لم تمنحه إعلان العيد أو التهنئة أو أية مناسبة، فإن رئيس التحرير سيرفع عنها الغطاء، ويجعلها مركزاً لسهام النقد، ألا هل بلّغت، اللهم فاشهد، وياله من اصفرار فاقع يسوء الناظرين والقارئين حينما تنحدر الصحافة إلى هذا الدرك من التهديد، في حين أن واجهاتها تشير إلى المثل العليا في البحث عن الحقيقة للصالح العام. وفي المقابل، إن المؤسسات تضغط على الصحف بما لها من إعلانات، وبكشف عما تقدمه للصحيفة سنوياً، بأنها تريد مكاناً أفضل في الصفحات، وتغطية أوسع، وإفراداً أكثر لرأس المؤسسة وأخباره، وإلا فإنها ليست مجبرة على التعامل مع هذه الصحيفة حصراً، فهناك صحف أخرى لديها الكثير من “الباليس” و”البروشات” الجاهزة للتلميع والتحسين.. وأمام الضغط المالي يلين حتى الحديد.
إنني أتمنى أن يجتمع رؤساء تحرير الصحف العربية اليومية الخمس، ولو لمرة واحدة، تاركين عنهم المناكفات الصغيرة، ليحددوا موقفاً واضحاً من علاقتهم بالمؤسسات الرسمية، وتكون فكرة مقال الأستاذ عبدالرحمن منطلقاً، ربما ليس كل ما ورد فيه، ولكن الفكرة المركزية منه، وهي أن تكون الأخبار الواردة من هذه المؤسسات تتضمن معلومات حقيقية نافعة وقابلة للنشر، وتُعلم القارئ عن شيء ذي فائدة بالنسبة له، وإلا فالقمامة أولى بها. فهذا ما سيحسّن الوضع العام من الأخبار الرسمية بشكل عام، فالقارئ لا يزال ينتظر الصحيفة المطبوعة وليس الموقع الرسمي لأية مؤسسة.
وأتمنى أن لا يتدخل الإعلان في الإعلام، فيكون هناك فصل واضح بين الطرفين في الصحف، حتى لا تكون الصحف ساحة لمن يدفع أكثر، وحتى لا تدخل الصحافة في كهف مظلم تتعامى فيه عن من يعلن لديها، و”تلعن أسلاف” من يعلن لدى غيرها، فإنها بذلك تصبح مأجورة مرتزقة سواء أحبت هذا الوصف أم كرهته. فهذا يعني أن من يعلن في هذه الصحف، وهو لا يعلن من جيبه وإنما من المال العام، قادر على تحاشي النقد والتجريح، فهو يستخدم المال العام للتغطية والتعمية من خلال “صاحبة الجلالة”، التي يجري العبث بجلالها وسلطانها وهيبتها مقابل دنانير معدودات. فهذا الفصل بين الطرفين يحتاج إلى إرادة صلبة من قبل الصحف نفسها لفك الارتباط بين إدارة التحرير والإدارة المالية في الصحف، حتى يغدو الصحافي عزيزاً مهاباً رافعاً رأسه، لا يعنيه شأن من يدفع ومن يقبض، فهذا مسؤولية أقسام التسويق والإعلان، ولا دخل له أو لرئيس التحرير في هذا الشأن، إذ عليه أن يقدم مادة صحافية رزينة رصينة ترقى إلى الأعراف الصحافية العالمية التي تقدم المعلومة على أي اعتبار، وإن كان ليس في كل مرة، ولا بالشكل المثالي، ولكن هناك مسافة من الاحترام والالتزام بينها وبين القارئ.