العدد 1682
الخميس 23 مايو 2013
“المواضعة”.. القصة القديمة لطرفي الصراع غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 23 مايو 2013

في فقهنا السياسي العربي: أن تكون معارضاً يعني أن تكون شريفاً مناضلاً. أن تكون موالياً يعني أن تكون “قابضاً” مأجوراً. أن تكون معارضاً يعني أن تهتف في المسيرات، وتعتلي المنابر، ويتطاير من فمك الزبد سباباً في الحكومة (أية حكومة... لا يهم). أن تكون موالياً، يعني أن تتهم المعارضة بالخيانة والعمالة للخارج (أي خارج لا يهم.. خارج عربي أو أجنبي.. لا فرق).
في فقهنا السياسي العربي: أن تكون موالياً يعني أن تهادن الحكومة في كل ما تقوله، وتصبح قراراتها “رشيدة” و”سديدة” دائماً، وحتى لو “طوّختها” حكومتك و”زوّدتها”، وأردت أن تزيل عنك الملامة وترفع عن نفسك الحرج، فيمكنك اتّباع المنهج الرباني في الملامة اللطيفة بالقول “عفا الله عنكم.. لم فعلتم كذا وكذا...؟” وأن تكون معارضاً، يعني أن تكون الحكومة سيئة وعفنة ويجب أن تجري معارضة كل قراراتها، وحتى القرارات الجيدة يجب النبش فيها لأن الحكومات لا تأتي بخير، فربما في ظاهر القرار صلاح، ولكن في باطنه من قبله العذاب والخداع والالتفاف على مصالح الناس. فالحكومات والناس عند كلاسيكيات المعارضة العربية أحدهما سبب في موت الآخر، فلا يمكنهما التعايش أبداً مع بعضهما البعض، وهذه من أبجديات المعارضة العربية دائماً.
أن تكون معارضاً في الفقه السياسي العربي، يعني أن تسافر من بلاد إلى أخرى، من منظمة إلى مؤتمر إلى اجتماع إلى الذكرى السنوية لمناضل ما، أو للاحتفال باليوبيلات الذهبية والفضية والخشبية والماسية وغيرها من المعادن والأحجار النفيسة والخسيسة، فيقضي ثلثي عمره في سياحة “معارضاتية”، فيستشيط الموالون غضباً، من أين له كل هذه الأموال للسفر، وكيف تسهَّل له الموافقات والتأشيرات، صحيح أن المعارض ليس مرفهاً “دائماً” في سفراته، ولكن من قال أن كل مسافر مرفه؟ ألا يكفي أنه “غيّر جوّاً” لبعض الوقت؟ وقال كلمتيه اللتين يحدّثهما في كل مناسبة، وأحيانا لا تحتاجان إلى التحديث، فلا أحد يسمع أساساً... يصرخ الموالون: ألم نقل لكم أنهم مأجورون؟ يتلقون الأموال، ويتلقفون الغلال، ويتنقلون من فندق إلى صالة إلى مقر إلى باحة إلى برلمان... من أين لهم هذا وهم على ما يقولون مشرّدين مجوَّعين خاليي أعمال.
في الجولة التالية، تجد الموالين بالطوابير أمام الطائرة التي ربما تسبق أو تعقب المعارضين لحضور الأماكن نفسها، والمنتديات ذاتها، الأممية والدولية والرسمية وأشباهها، فيشير إليهم المعارضون: من موّل رحلاتكم؟ أهي من أموال الشعوب؟ من نصّبكم لتتحدثوا باسم الناس؟ (السؤال نفسه يمكن أن يرجع إلى السائل في كل الأحوال)، هل قبضتم من الحكومة؟ يتعلم هذا من ذاك طرق التأثير ومسارب صنع القرارات في المنظمات الدولية والمحلية وقوى الضغط، هذا يسبق وذلك يلحق، وحروب تدار بالوكالة، يذهب الفريقان إلى الخصم ويعرضان الملفات التي تعرّي الآخر، مثقلة بالحقائق والكثير من المبالغات (معاذ الله أن نقول أكاذيب وافتراءات)، ويجلس الطرفان وقد بدت سوءاتهما، وسوءات البلاد التي أتوا للدفاع عنها أو ادّعاء الدفاع عنها... لا يكادان يسترجعان أنفاسهما لفرط التعب والإجهاد بعد أن تسابقا في تمزيق ثياب بعضهما البعض، وأعين الجميع شاخصة إلى صاحب الحكم ليقول كلمة رجراجة في الأساس، فيأخذها كلٌّ منهما ويطير بها فرحاً ليعبِّئ بها أجهزته الإعلامية معلناً انتصاره وخيبة أمل الفريق الآخر. ولم يعد غريباً في فقه السياسة العربية، أن يجري الترويج لنصرين متناقضين من موقف واحد، وأن يقول أحد الفريقين “نجحنا نجاحاً باهراً”، بينما يقول الآخر أن “الفشل الذريع كان نصيب الخصوم”، نعم إنه السباق، ولكن من الذي ربح من خسارة الآخر، أو خسر من ربح الآخر؟.
حتى أكون بحرينياً بعض الشيء، التقي بمحض الصدفة مع أحد المشاركين في الحوار الوطني، فيروي عن الطرف الآخر قصصا تشيب لهولها الولدان، القصص ذاتها أسمعها بالضبط من الطرف الآخر، قد تنقص أو تزيد، أو قد تعطيها اللهجات بعض الخصوصية، ولكن الفحوى واحدة. كيف وصلنا إلى هذه الحالة والنتيجة؟ هل هناك فقدان وعي؟ أم أن الناس قد فقدوه وصاروا لا يسمعون إلا ما يريدون سماعه فقط، وتظل الحقائق ضائعة.
في فقه السياسة العربية وحدها، لا تعمل مقولة “الزمن وحده كفيل بكشف الأسرار”، إذ الأسرار تتلف دائماً وراء كل جيل، ولا يعود التاريخ إلا كما يريد رواته من كل طرف، وكتاب التاريخ العرب ينقسمون بدورهم بين معارض وموال، فيدور التاريخ لديهم في الأسطوانات ذاتها التي يديرونها. هل رأيتم قط حكومة اعترفت بأخطائها، أو سياسي معارض طلب مغفرة الجمهور على ما أسلف في الأيام الخالية من سوء تقدير لموقف، أو “حماقة” بفعل الحماسة قد أبعدته وتيّاره عن الهدف؟ ربما يوجد من تنطبق عليه هذه الصفات، ولكنه حينها لن يكون في موقع القرار في الجبهة التي ينتمي إليها. وغالباً ما سيتّهم حينها بـ “القبض” من الطرف الآخر، أو الانتقام من جهته التي أقصته!.
المعارضة والموالاة في وطننا العربي قصة فريدة، تستنسخ وجوهها ولكن تبقى مواقفها كما هي على حالها مهما طال الزمان. قد يتغير الموالون لحكومة أو حاكم أو نظام أو إيديولوجيا. قد يتغير المعارضون من تيار أو فصيل أو طائفة أو إيديولوجيا أيضاً، ولكن ممارساتهم الأشبه ما تكون بالطفولية تظل على حالها. تتفحص كتب التاريخ المعاصر والمذكرات الشخصية لتجد أنه منذ بدايات انقشاع الاستعمار عن البلاد العربية وإلى اليوم، منذ أن التفت الناس إلى بعضهم بعدما كانوا شبه متوحدين ضد عدوّ خارجي، وهم يمارسون نفس الحيل والتمارين السياسية، وبالحجج عينها التي لا تزال تفعل فعلها. تشد بعضها بعضاً إلى دائرة النار في توازن عجيب، وتستمر اللعبة المشتتة للوطن الذي يتغنون بأمجاده.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .