ما إن تطل علينا ليالي الشهر الفضيل بعبير لياليه الفضيلة إلا وتجد الجميع وقد عمت في نفوسهم البهجات والمسرات، واستغرقت في وجدانهم الهمسات الروحانية التي تبعث في نفوسهم بشرى الأمل بصفحة جديدة مع المولى تعالى، بعيداً عن المعاصي والآثام، وبعيداً عن الحقد والبغضاء والمعاداة بين الإخوان في ربوع المجتمع.
يطل علينا شهر رمضان المبارك كعادته في كل عام، ونحن مشتاقون له أشد الاشتياق، وفي قلوبنا سواد نرغب في أن نغسله مستثمرين فضيلة هذه الأيام وخصوصية مضاعفة الأجر والمثوبة، سائلين المولى تعالى القبول والرشاد والسداد.
في كل عام يطل علينا هذا الشهر الكريم ونسأله تعالى أن يُنعم علينا وعلى شعوب العالم الإسلامي والعالم أجمع بالأمن والأمان والسلامة والإسلام، ولكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه، ففي كل يوم خلال هذا العام منذ بدايته، وما قبله من أعوام مازالت آلة القتل هنا وهناك تستعر بها الحروب الطاحنة التي أتت على الأخضر واليابس، فما تركت لعيش مستقرا، ولا لأمن تحقق على أرض الواقع، حيث لا وجود إلا لقتل وسلب ونهب وانتقام وطائفية وتشريد.
مازالت الحرب مستعرة في بلاد الشام منذ عدة شهور تجاوزت بها الأربعة أعوام، والحرب بدأت منذ أسابيع في بلاد الرافدين، وها هي كذلك تعكس صراعاً طائفياً في ليبيا، وهناك في الصومال الأمن أصبح في حكم المفقود.
هذا هو حال عالمنا العربي والإسلامي ونحن نمر في هذه الأيام الفضيلة، في شهر الانتصارات من قوى الخير على قوى الشر ليعم الأمن والسلام، وليس في شهر الانتصارات التي نجنيها من اقتتالنا القبلي والطائفي، فكم حصدت هذه الحروب من أرواح وآن لها أن تتوقف كي لا تحصد مزيداً منها، وكم نجم عنها من تدمير للعمران في كل مكان بصورة يندى لها الجبين، وكم جنت هذه الحروب على حقوق أجيال قادمة ستعاني في بناء الوطن الذي دمرته هذه الصراعات.
إن شهر رمضان شهر فضيل يطل على الأمة لتبين خصوصيتها في حب الأمن والأمان، ولتوضح للعالم أن الإسلام هو دعوة للإنسانية جمعاء، وإنقاذ للبشرية من براثن الإجرام والحروب والقتل والتنكيل، وما خصوصية الأمة المحمدية إلا متمثلة بخدمة الإنسانية والارتقاء بكرامتها، وليس في الإصرار على نقل صورة سوداء عن الشريعة الغراء تعكس حقيقة مغلوطة تتمثل في أن الإسلام دين يسعى إلى القتل، ويحبذ الحرب على السلم، وأنه دين أمر بأن تكون الحرب أصلا للعلاقات الدولية، وأنه دين عجز أصحابه والمنتمون إليه عن لم شتاتهم، فتفرقوا فرقاً، وتحزبوا شيعاً، بل أخذوا يتقاتلون على ذلك، والقوي هو ذلك الذي يبسط يده على أخيه بالعنوة والسطوة، ويفرض نفسه على المشهد، وإن تسبب – ليكون كذلك – بقتل جميع من ينتمي للطائفة المقابلة.
إن الجهاد ما شرع للقتل والتشريد، وإنما شرع لأسباب محددة كلها تندرج ضمن إطار إعلاء كلمة المولى تعالى في أرضه بنشر العدالة والطمأنينة والأمن والأمان والسلامة والإسلام، وعدم ترك الحبل على القارب حتى لا يعيث المفسدون في الأرض متسلطين ومتجبرين وناشرين للفساد والرذيلة والقتل والتنكيل، وهنا يبرز دور المصلحين في نشر الثقافة الشرعية المرعية التي تعكس ذلك بصورة واضحة لا تمثل أي جانب من الشك، إن ثقافة السلم والمسالمة قاعدة شرعية راسخة دعت إليها شريعة الإسلام، وفهم فريضة الجهاد ضمن إطار حماية كيان الدولة الإسلامية والدفاع عن قوتها من خلال تخويف كل من تسول له نفسه النيل من نفوذها، واستثمار ذلك في سبيل نشر الدين والشريعة، ولا شك أن هذه الأيام الفضيلة مناسبة فضلى لتعزيز ونشر هذا الجانب المشرق للشريعة الغراء.
زبدة القول
إن بركة الشهر الفضيل جديرة بأن ترزق هذه الأمة الأمن والأمان والسلامة والإسلام، وليس لنا في هذا المقام إلا أن نستثمر سلاح الدعاء ضارعين إلى المولى العلي القدير أن يحفظ علينا وعلى شعوب الأرض قاطبة نعمة الأمن والأمان... اللهم آمين.