لطالما نعم العالم العربي بما فيه الخليج العربي على وجه الخصوص بنعمة الأمن والأمان والسلامة والإسلام، وذلك على الرغم مما ساد في كثير من ربوعه وأقطاره من ظلم وتمييز وضنك في العيش، وذلك حتى ظهر ما سمي بالربيع العربي في العام 2011م بفتنة راح يتاجر بها دعاة الفتنة وثقافة الفوضى، فما نعم وطن حل فيه ما حل من الفوضى والقتل والتشريد بعد أن قامت فيه هذه الثورات التي تحولت في بعض الأوطان إلى حروب أهلية طائفية ضارية مازالت تقذف بشررها المنذر باشتعال حرب طائفية إقليمية، والتي ما إن اشتعلت شراراتها الأولى حتى راح دعاة الفتنة ينفخون فيها كالأفاعي لزيادة استعار النار مهما كان عدد الضحايا الذين حصدتهم وتحصدهم الحروب، ومهما كان حجم التدمير الذي نال وسينال الأوطان.
إنهم يدعون للجهاد مع الحركات المتطرفة هنا وهناك على قنوات فضائية تم تخصيصها لتجييش الشباب ليكونوا حطباً لهذه الفتنة، فكل يدعو ويحشد ويجني المبالغ الخيالية من ذلك لزيادة كسب من يتربح على دماء الشعوب والأمم، وما يتكسبه على دمار الأوطان، وذلك من خلال ما حل ويحل هنا وهناك من فتن مازال يشرد بسببها الملايين في مختلف أصقاع الوطن العربي الكبير.
إن ما حل في هذه الأوطان لم يكن وليد الساعة، ولا حديث اليوم، بل هو نتاج تراكمات تمتد لعقود، ولكن نقولها بكل صراحة، منطق تعلمناه من تعاليم ديننا وتقاليد عروبتنا، إن الخطأ لا يمكن أن يزال بخطأ مثله أو أكبر، والقتل لا يكون أنفى للقتل كما شاع عند أهل الجاهلية، بل لنا في القصاص حياة إن كنا من أولي الألباب، وجعل المولى تعالى لمن ولاهم علينا سلطاناً وأمرنا بألا نسرف في القتل، وقرر أننا سنكون بذلك من المنصورين، وقرر لنا أن حرمة دم المسلم تفوق حرمة الكعبة، وأن هناك كثيرا من الاستنباطات التي تؤطر القواعد الشرعية المرعية في ذلك، وتؤصل كيفية بناء المجتمع لمنطقه في التغيير بعيداً عن الفتنة وثقافة العنف والعنف المضاد.
إن دعاة الفتنة وثقافة الفوضى لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون، هكذا تحدث عنهم القرآن الكريم ذاكراً أوصافهم محذراً منهم ومن لسانهم الذي يزين الشر ويلبسه حلة التقوى، ويقلب فهم النصوص ويدلس الحقائق برؤية منقوصة مهزوزة لا تعكس شمولية الدين ولا جوانب إسقاطه على مستجدات الواقع؛ لذلك فإن الحذر لازم في التعامل مع هؤلاء المأجورين الذين لا ينوون بما يقومون به لا رفعة الدين ولا عزة الأمة في الدنيا، ولكي تعرفهم أيها الشاب المستهدف للإسقاط في مصايدهم، فهم ديدنهم التخريب والتدمير، وعلى لسانهم التكفير والتفسيق، ولا يتورعون عن إهدار دماء المسلمين، وألسنتهم تزينت بمنطقها الكاذب الذي لا يُقنع إلا السذج وقليلي المعرفة بالعلم الشرعي، يستغلون حماس الشباب للإيقاع بهم في فخ الفتنة.
والغريب في الأمر أن هؤلاء يسرحون ويمرحون، ويتنقلون بين العديد من القنوات الفضائية هنا وهناك، ويتحدثون من خلال العديد من المنابر الإلكترونية دون حجب أو رقيب، وذلك في مقابل جهد متواضع لدعاة الحق لصد ما يُبديه أمثال هؤلاء من مهاترات، فما إن يظهر أحد من أهل الحق ليبين غيّهم وضلالهم ومغالطتهم في فهم نصوص الدين حتى اتهموه بالتقاعس والجبن، وجعلوا يشهرون به هنا وهناك بالتلميح والتصريح على أنه منكّس لأهل الحق، مثبط لعزائم الشباب الراغب في الجهاد في سبيل النصرة للدين، وذلك حتى يصل بهم الحال إلى تفسيقه وتكفيره وإخراجه من الملة.
إن هذا هو حالهم، ولا يمكن إيقافهم عند حدهم أو الحد من نشر شرهم في بث الفتنة ونشر الفكر المتطرف في المجتمع إلا من خلال نشر ثقافة الفكر المعتدل الذي يحقق للأمة النظرة الموضوعية للأمور ضمن مختلف أطرها وفي خضم مختلف نطاقات تجددها.
زبدة القول
لا يمكن صد أمثال هؤلاء بهذه الطريقة لأنهم يتكسبون المال مما يقومون به من دعوة إلى الفتنة وثقافة الفوضى، ويحتاج أهل الحق على المستوى الرسمي والأهلي إلى أن تتضافر جهودهم في سبيل صد هجمات هؤلاء ونشر ثقافة الاعتدال والوسطية في المجتمع، وإبراز القواعد الشرعية المرعية التي تظهر الحق كنور الفجر المشرق، ووقانا المولى تعالى شر هؤلاء وجعل كيدهم في نحورهم... اللهم آمين.