منذ أن احتلت القوات الأميركية أرض العراق في العام 2003م وأسقطت نظام حزب البعث، وذلك إلى أن غادرت هذه القوات العراق منذ ما يقرب من السنتين جرت على الساحة العراقية أحداث وسجالات مضمونها أن الولايات المتحدة بعد أن دمرت العراق سلمتها لإيران التي كانت قد تعاونت معها في الاحتلال، وإيران قامت باسم الديمقراطية بتثبيت عميل لها في رئاسة الوزراء، الذي أخذ ينكل بصورة واضحة بأهلها، حيث كان ومازال يعتقلهم ويقتلهم على الهوية، وها هو ينال نتيجة فعله ما ينال بسبب استمراره في السياسة المتطرفة التي تقصي مكوناً رئيساً من بلاد الرافدين بخروج البلاد عن نطاق السيطرة.
وحقيقة الأمر، إن الولايات المتحدة في العام 2003م لم تأت لكي تحرر العراقيين من طغيان النظام السابق، وجميعنا يعرف ما كانت تردده في تلك الأيام عن الشيء الموهوم المسمى أسلحة الدمار الشامل، والتي ادعت أن ذلك هو ما اضطرها لإسقاط النظام الحاكم في بغداد واحتلال العراق، وهي في نهاية المطاف وإن سحبت قواتها وسلمت العراق لعملاء إيران والموالين لها، إلا أنها مازالت تتقاسم خيرات العراق التي تسرقها من ثرواتها، في وقت أصبح فيه كثير من العراقيين تحت خط الفقر.
قبل قرابة الثلاث سنوات إبان ظهور ما نعت من البعض بالربيع العربي ارتعدت فرائص المالكي وخرج مصرحاً بأنه لن يترشح لولاية جديدة، وأنه كان ومازال ينذر نفسه لأهل العراق ولمصلحة الوطن العليا، إلا أنه في الانتخابات الأخيرة التي جرت قبل عدة أسابيع عاد ورشح نفسه لولاية جديدة تمتد لسبع سنوات قادمة، ينوي من خلالها برعونته وبضعف مسؤوليته أن يستمر في سياسة البطش والتنكيل وإبراز الطائفية البغيضة وسياسة الإقصاء فيما يقوم به من ممارسات، وذلك حتى ظهرت بوادر اشتعال حرب طائفية وثورة عارمة يقودها ثوار المحافظات الشمالية لإسقاطه وإنهاء ولايته، فما كان منه إلا أن استهجن ذلك وأرعد وأزبد رافضاً أي تغيير في سياسته الفاشية التي أفسد من خلالها الحياة السياسية والأوضاع الاقتصادية في البلاد، حتى أصبحت العراق في دمار كبير اشتعلت من خلاله إمارات الطائفية التي ستأتي على الأخضر واليابس.
واليوم وقد احتدم الصراع في العراق بصورة لم يتوقعها أحد بمن فيهم القوى الغربية، فإن دولة العراق مرشحة وبقوة بأن تكون من الدول التي تستعر فيها الحروب الأهلية، والسبب في ذلك يتمثل في السياسات الصبيانية التي تمسك بها المالكي طيلة فترة أمسك من خلالها بزمام رئاسة الوزراء، وأصر على التمسك بها بعد أن فاز من خلال التزوير بولاية أخرى، كما أنه مازال مصراً على البقاء وعدم التنحي لتهدأ الأوضاع في العراق.
وعلى المستوى الدولي عاد المتعاونون على احتلال العراق إلى طاولة التشاور لبحث منهجية تدخلاتهم، فأميركا تقول إنها لن تتدخل مباشرة بل من خلال إرسال مساعدة عسكرية للجيش العراقي، وأرسلت حاملة طائرات في مياه الخليج تحسباً لأية تطورات، والرئيس الإيراني حسن روحاني يصرح بأن إيران لن تتدخل إلا بمعية أميركا لإنهاء الصراع في العراق، وإلى الآن لم تطلب الحكومة العراقية أية مساعدة من أي طرف خارجي على أمل أن تتمكن القوات العراقية من ضبط الموقف هناك، حيث صرح المالكي بأن ما جرى من انسحاب في الجيش العراقي الذي يحمي شوكته أتى بإيعاز مصادر هو يعلمها وسيحاسب المقصرين عليها، وذلك وسط دعوات من المرجعية الصفوية في العراق ممثلة بالسيستاني لقتال من وصفوهم بالمتشددين الإسلاميين، ثم ماذا بعد؟
إن الصورة التي تعكس احتدام الصراع في العراق تقرر بجلاء السبب الذي أدى إليها وفاقمها والمتمثل بالسياسة المتطرفة التي يتبناها المالكي في إدارته للدولة كعميل إيراني أميركي لا يسعى لخير البلاد وشعبها، بل يسعى إلى تحقيق أجندة خارجية لمصلحة أطراف لا تريد للعراق الاستقرار والتنمية.
زبدة القول
لا يمكن بأي من الأحوال أن يبقى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مصراً على سياسة الإقصاء ليضع العراق أمام بوابة الحرب، وفي ذات الوقت يقابله الشرفاء من أهل العراق بالرضا والقبول، ولا يمكن أن يكون احتدام الصراع في العراق إلا مرتبطاً بذلك، وهو متعلق في ذات الوقت بالتوجه الطائفي الذي تتبناه الحكومة العراقية بصورة واضحة أفقدت الأوضاع في العراق حالة الاستقرار التي كان يتأملها العراقيون في ظل ديمقراطية حقيقية تقوم على المواطنة العراقية ولا شيء غير ذلك.