لقد أدرك الشعوبيون الفرس بوقت مبكر ارتباط العربية بالإسلام، والإسلام بالعربية، فالقرآن المجيد عربي، “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”، والنبي الكريم عربي نسبا ولغة، “لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ”، والدين أحكامه عربية، “وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ”. والعرب هم من أحاطوا بجوهر الدين واضطلعوا بمسؤولية حمل الرسالة وتبليغها ونشرها وقاتلوا دونها، وفدوها بالغالي والنفيس، الدم والمال والولد، قرأ الفرس ذلك وبما عرف عنهم من مكر ودهاء رأوا السبيل الوحيد للنيل من العرب ودينهم البحث عن مدخل ديني مرتبط بالانتساب إلى العربية، فوجدوا في التشيع لآل البيت ضالتهم وخير ستار يخفي مقاصدهم الباطنية الخبيثة، وجربوا هذا المدخل حينما ناصبوا الأمويين العداء باسم الدعوة للعلويين، ولما نجحوا بقيادة أبي مسلم الخراساني بإسقاط الخلافة الأموية أيقنوا أن آل البيت اشد حرصا على العروبة والإسلام وسيسدون عليهم منافذ الطرق، ولن يتركوا للشعوبية مجالا لمعاداة العروبة والإسلام، ولا يستطيعون المزايدة تخلوا عن العلويين، وانحازوا إلى العباسيين وآثروهم بالخلافة، وأبقوا بأيديهم ورقة التشيع للعلويين ظاهرا كمدخل للدق على وتر الفتنة باطنيا.
لقد برر الشعوبيون الفرس لأبي لؤلؤة المجوسي قتل الخليفة عمر ابن الخطاب بالثأر لآل البيت كما يدعون، وحرضوا على قتل الخليفة عثمان بدعوة فسح المجال لخلافة علي، وعملوا ما بوسعهم لتسريع أحداث معركتي الجمل وصفين، وهم من سموا الإمام الحسن، وخذلوا الإمام الحسين، دعوه إلى الكوفة وتخلوا عنه، وظلوا يتسترون بالتشيع لآل البيت في كل حركة مقاومة أو ردة وتمرد متطرف، ضد الأمويين وضد العباسيين، ووقفوا خلف تحكم البرامكة، وخلف الصراع بين الأمين والمأمون، ووراء ثورات الزند والزط والقرامطة الذين سرقوا الحجر الأسود ثلاثين سنة، وخلف البويهيين وخلف العبيديين والإسماعيليين الفاطميين، وخلف الصفويين، حتى قال الدكتور أحمد أمين: “كان التشيع عش الشعوبية الذي يأوون إليه وستارهم الذي يتسترون به” ورداء تسربله الفرس المجوس في إخفاء نزعة كراهية العرب ومعاداتهم منذ الفتح العربي إلى اليوم، ولم تنقطع، ولم تخف في صدورهم وطأة الحقد والضغينة.
وأسهم الشعوبيون بإقامة الدولة الإسماعيلية الفاطمية في المغرب والأندلس نكاية بالخلافة العباسية ولإضعافها بدءا بتونس حيث أسسوا مدينة المهدية عام 300 هـ بقيادة عبيدالله المهدي منتسبا إلى الإمام جعفر الصادق واختلف المؤرخون فنسبه بعضهم إلى الفرس اليهود، ومنهم من ربطه بجذور قرمطية، وبعد فتح مصر أسسوا القاهرة واتخذوها عاصمة، اعتنقوا مذهب الإسماعيلية المتأثر بالفلسفة الإغريقية، فأساءوا إلى جميع المذاهب، واضطهدوا كل الأديان وانتهكوا حرمة المعابد المسيحية واليهودية التي لا يبيح الإسلام انتهاكها، وعظموا خلفاءهم إلى حد التأليه، وقالوا فيهم شعرا بلغ مرتبة الكفر: قال ابن هانئ الأندلسي في الخليفة المعز لدين الله الفاطمي تزلفا: ما شئت لا ما شاءت الأقدار، فاحكم فأنت الواحد القهار، فكأنما أنت النبي محمد، وكأنما أنصارك الأنصار، والكارثة أن المعز هذا سلّم مدينة غرناطة بيده لمندوب الملك الإسباني فرديناند، ورحل عنها إلى الأبد، فارا بجلده وتاركاً شعبه بيد أعدائه، وهم من حارب الخلافة العباسية طيلة خلافتهم التي دامت قرنين ونصف، وبيّت الفاطميون للمسلمين المكر ودبروا لهم مع الصليبين المكائد متعاونين مع الفرنجة الغزاة ضدّ الدولة الزنكية حتى هيأ الله لهم صلاح الدين الأيوبي فقضى عليهم ومهد لتحرير بيت المقدس.
أما أكبر تهديد شعوبي واجهه العرب والإسلام منذ قيام الدولة الفاطمية التي أسهمت في ضعف وسقوط الخلافة العباسية، هي الحروب الصليبية التي مازالت آثارها تكمن في صدور الأوروبيين حتى اليوم، وتتجلى حقيقتها في دعمهم الحركة الصهيونية لاحتلال فلسطين والتهديد بالتوسع. ثم الدولة الصفوية التي ظهرت في القرن العاشر الهجري في إيران مستفيدة من التراث الفاطمي فأباحت هي الأخرى دم السنة، ذبحت منهم أكثر من مليون شهيد وأرغمت الآخرين على الإيمان بالمسلمات الشعوبية الصفوية الخرافية قسرا وقهرا، وغزَت العراق، وذبحت مئات الآلاف. ولم تخف عداءها للعرب الذي ورثته بعدها إيران الحديثة على عهد البهلوية ثم الثورة الإسلامية، وهو ما سنركز عليه في الحلقة الأخيرة القادمة لعلاقته الوثيقة بموضوعنا.