تركت الحركة الشعوبية في التاريخ العربي آثارا عميقة، فمن تبنى فكر هذه الحركة غالبيتهم الساحقة من الفرس، وبين العرب والفرس اختلافات جذرية عميقة في العقائد واللغة والفكر والأدب والطقوس الدينية والاجتماعية، وبحكم الجوار وبعد أن أسلمت معظم بلاد فارس لم يعد بالإمكان الفصل قطعا بين الجارين المتآخيين بالإسلام، كما تمنى عمر ابن الخطاب بقوله: “ليت بيننا وبينهم جبلا من نار” وليت للتمني الذي لا يرجى حصوله، ولم يكن يسيرا أن ينصهر ويذوب أي منهما في بوتقة الآخر كليا، ولو رجعنا إلى طبيعة العلاقة، العرب هم من طمع بهداية الفرس وإدخالهم بوتقة الإسلام، ولذلك كان عليهم قبول من صح إسلامه منهم أخا في الدين له ما لهم، وعليه ما عليهم.
لكن البأس بمن تظاهر بالإسلام تقية وطمعا بمصالح دنيوية، وهو في الباطن ألد الخصام، بقي مواليا لعقائد قديمة ورثها عن آبائه وأجداده المجوس، فدلسوا على الإسلام أفكارهم الهدامة ونشروا الإفك والسموم وأثاروا الفتن بين المسلمين، فنشأت في داخل المجتمع المختلط ظاهرتان سلوكيتان سلبيتان الباطنية والتقية، وكان لهما أسوأ الأثر في تغذية الصراعات الداخلية بين العرب والأمم الأخرى، وبقاء الحياة المشتركة كما في الحديث الشريف “هدنة على دخن” طوال التاريخ.
الباطنية من بطن بمعنى خفي، والباطنة بالكسرة: السريرة، واصطلاحا: فرق ومذاهب تشعبت وتسترت لتغرير المسلمين وتضليلهم بإبطانهم الكفر والتظاهر بالإسلام، ويزعمون أن لمعاني القرآن الكريم الظاهرة في آياته دلالات خفية باطنية اختصوا بمعرفتها دون سواهم، فلكل تنزيل تأويل، ولكل ظاهر لديهم باطن، ومن مؤسسي الباطنية ميمون بن ديصان القداح حينما كان في الأهواز، وكان قبلها مولى للإمام جعفر الصادق، في خلافة المأمون، ومن فرقهم: الباطنية والتعليمية والسبعية والقرامطة والإسماعيلية والخرمية والبابكية والمحمرة والدروز والنصيرية. وهم لدى الفقهاء “دهرية زنادقة” يقولون بقدم العالم وينكرون الرسل، تخفى بعضهم تحت ستار الصوفية ليجب عن نفسه القصاص، فتركوا في فكرهم كثيرا من مظاهر الانحراف والمغالاة، حتى ظهر من المتصوفة فريق اعتقد بوحدة الوجود والاتحاد بالمعبود، ومعتقدات أخرى ملبسة مضللة، كالحلاج ومن لف حوله ممن لم يكن لهم شأن ولاحظ من الدين، وهم أول من اختص طابعهم الفسلفي بنظرية الإمامة وجعل ولاية الإمام محورا تدور حوله مسائل كثيرة نقلوها عن اليهودية والمجوسية وتبناها الصفويون بتطرف ومغالاة وأدخلوها في التشيع بلا ورع منهم، وصدقها العامة.
والتَّقِيَّة: مصطلح ديني، اختصت بإخفاء المعتقد خشية الضرر، والتقية متفق عليها لدى أهل السنة والشيعة الاثناعشرية لقوله تعالى: *لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ*، واختلفوا في معناها ومجالات استخدامها وحدودها. والتقية مقبولة في الدين اليهودي وشائعة لديهم، ومرفوضة في الديانة المسيحية وإن أباحها لهم بعض القسيسين أحيانا، وأباحها الإسلام للضرورة والحفاظ على الحياة في الشدة المهلكة، فأجاز إظهار الكفر وإبطان الإيمان عند خوف المسلم على نفسه من الكفار والمشركين لا غير، وتوسع الشيعة في استخدامها واعتبروها من أساسيات الدين حتى استسيغت لديهم كأسلوب من أساليب مجاملة الحكام والسلطة وإن كانوا مسلمين، وفي التعامل فيما بينهم، ومن آثار الباطنية والتقية شيوع النفاق والكذب والمكر والتدبير والكيد والحسد والكراهية والتآمر بين العوام ومدعي العلم في المجتمع الإسلامي، وهي من اكبر العوامل الملبسة للدين والعقائد، قادت إلى الفتن، وأخلت بالتزام المسلم بجوهر عقيدته، وإلى ضعف ترابط المجتمع وتماسكه.
وهكذا استثمر الشعوبيون والزنادقة وسيلة التقية والباطنية لنشر أفكارهم المظللة الهدامة تحت ستار الدين بين المذاهب والفرق بعد ربط الطائفية والعنصرية بالدين والقومية لتبقى جذوة حركتهم مستمرة ومتجددة، من خلال خلط الكفر المجوسي والعنصرية الفارسية بقيم الإيمان، لإعادة ما كان سائدا بفارس قبل الفتح الإسلامي وإحياء الموروث الديني المجوسي والقومي الآري، والمحافظة عليه من الضياع، وكل ما تسعى إليه إيران في تدخلاتها المشبوهة في المنطقة هو لحماية الهوية الفارسية وأمنها القومي بالوقوف ضد أي مشروع عربي للنهضة، والتآمر على الإسلام والعروبة شأنهم شأن الصهيونية التي استغلت الديانة اليهودية لتحقيق مآربها العنصرية، وللموضوع بقية لاحقة.