“كانت النصيحة بجمل”، هكذا قال العرب، وحكايتها: لأعرابي وفرة من الجمال، ساق ثلاثة منها إلى السوق للبيع، وفي طريقه صاحب رجلا عليه ملامح الحكمة، فسأله عن مهنته، قال إنه يبيع النصيحة بجمل، ورغم عدم قناعته بالثمن، اشترى ثلاث نصائح بثلاثة جمال، فكلما اشترى واحدة آثر فائدتها اشترى الأخرى، وأولها: “إذا طلع سهيل لا تأمن السيل”، والثانية: “لا تأمن العيون البرق والأسنان الفرق” والثالثة: “نم على الندم ولا تنم على الدم”. وفي معرض الحكاية، التزم الرجل النصائح فكانت خير منقذ له مما هلك فيه الآخرون ومنهم المالكي. فدار المثل بين سائر العرب، وكثيرا ما سقنا وساق غيرنا للسيد المالكي النصائح مجانا فأبى وطغى، حتى وقع وأوقع البلد بشر لا يدفع ولا يغتفر. فمنذ أن تظاهر أهالي الفلوجة والرمادي بمحافظة الأنبار العربية السنية مطالبين بحقوقهم الشرعية صم المالكي بدوافع من طائفيته أذنه وركب رأسه، فتحولت التظاهرات العارمة إلى اعتصام دائم، وبدلا من أن يقول خيرا أو يسكت، قال فقاعات نتنة، وإن لم ينتهوا سينهوا، التحقت بالأنبار خمس محافظات، ووجد الاعتصام صدى إيجابيا في المحافظات العربية الشيعية. ودائما المالكي الأذكى، حاول الالتفاف على الحقوق فأرسل وفودا تناور وتحاور، وجرب ما بجعبته من حلول أمنية، فض اعتصام الحويجة بكركوك بالقوة، بحجة وجود مجموعات إرهابية بين المعتصمين - وما صدق - فسقط 60 شهيدا ومئة جريح بمجزرة مشهودة، واشتبك مع العشائر، هدأت الأحوال وظن انه انتصر، ولم يدر أنه “آثر الدم على الندم” وأن “الهدنة على دخن” وكل شهيد سيولد من دمه ألف ثائر، فأراد استنساخ اللعبة في الفلوجة والرمادي اكبر الاعتصامات وغاب عنه “أن الجرة لن تسلم كل مرة”.
مع قرب الانتخابات البرلمانية طمع المالكي بمواصلة رئاسته للوزراء للمرة الثالثة ولو “بالفتنة التي اشد من القتل” دق الوتر الطائفي وأعلن من كربلاء حربه تحت راية “الحسين” على أبناء يزيد، فهم الأنباريون الرسالة، بدأ المالكي حملته على كتاب المعارضة السورية قرب الحدود، ثم عاد بجيشه ليحاصر الرمادي والفلوجة ويفض خيم الاعتصامات ويحرقها بالقوة، ويعلن الحصار والحرب، وكانت العشائر أذكى وأشجع، أخذت حذرها من “العيون البرق والأسنان الفرق” رفضوا دخول الجيش المدن لعلمهم أنه سينكل بهم ووقفوا بالمرصاد، لم يستمع المالكي للنصائح، الأنبار عشائر تجيد استخدام السلاح وفي مواجهة العدو تجدهم يدا واحدة، وسيواجه جيش المالكي كمائن طرق وفي كل شبر وخطوة وسيدحر كما دحر أسياده الأميركان وهذا ما حصل.
استخدم المالكي الهاونات والمدافع والصواريخ والطائرات والبراميل المتفجرة على مدن الأنبار، واضطر الأسر إلى الهجرة طلبا للأمان، النساء والأطفال والشيوخ لجأوا إلى المحافظات العربية السنية وشاهد وسمع الناس ما عمل المالكي وجيشه بهم، ولاحظوا حياة البؤس التي يعيشها المهجرون فتعاطفوا معهم، وازدادت النقمة على الحكومة جيشا وشرطة وصاروا يفضلون العيش تحت رحمة أي كان على قهر المالكي والإيرانيين والمليشيات الصفوية المجوس الوثنيين، أدركت المحافظات السنية أن الزحف الصفوي والانتقام قادم، و”من يذق الموت يرضى بالحمى”.
ثارت الأنبار، وثارت سامراء “طلع سهيل ولم يحذر المالكي السيل” حين يدخل المسلحون من داعش من القاعدة أيا كان ليخلص آلاف المعتقلين الأبرياء من أبناء المحافظة ويفك أسرهم من جحيم الجلاد وزبانيته الغرباء، هل يرفض الناس؟ حينما يأتي الزحف ليخلصك من قوات سوات ومليشيات بدر وعصائب أهل الحق المجرمة التي سامت العباد الخسف يرفضون؟ دخل مئات المسلحين ووجدوا الناس تحتضنهم، ولم تجد قوات المالكي من يؤويها لسوء الخلق والأدب والسيرة، سراق طائفيون قتلة، أخس من اليهود وأزنى من القرود، جرفهم السيل، من يصدق الموصل وكركوك وصلاح الدين وديالى كل منها تسقط بساعات، لكن “اليدري ما يدري.. واليدري بعد أكثر”، يا جماعة الله أكبر، والظلم لو دام دمر.. يحرق اليابس والأخضر” هذه أجواء حكم المالكي، داعش القاعدة ليقول ما يشاء، هي ثورة شعب تخلى عن جلاديه، نعرف أن النتائج القادمة قد تكون قاسية ووخيمة، ولكن الموت مرة واحدة، أفضل من الموت كل يوم مرات، ونأمل كما قال الله تبارك وتعالى: *سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ* القمر 47.