+A
A-

دول المجلس... طريق الاستنكار ليس ممهدا ومفقود القيمة

ان الكلمات التي صرح بها احد المسؤولين الإيرانيين بحق البحرين لا ترتقي لمستوى الأخلاق فضلا عن وصولها لمستويات العمل الدبلوماسي، حيث هدد مساعد وزارة الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والافريقية، حسين أمير عبداللهيان منذ أيام البحرين “برد لا تتوقعه” إذا لم تعتذر عن اقتحام منزل عيسى قاسم والذي وصفه بأنه اكبر من التطورات الداخلية للبحرين ومرتبطة بالعالم الاسلامي.
وقبل ذلك حذر المسؤول الإيراني نفسه البحرين من مواصلة اتهاماتها لإيران بالتدخل في شؤونها الداخلية التي لا أساس لها قائلاً: “ان السيناريو البحريني الجديد في إلصاق الاتهامات بإيران مكرر وعار عن الصحة تماماً”.
وأضاف ان حكّام البحرين يعلمون جيداً أنه لو أرادت إيران التدخل ولو بشكل طفيف في هذا البلد لكان الوضع بشكل آخر.
وقد جاءت هذه التحذيرات والتهديدات أيضًا بعد تصريحات لمرشد الثورة الإسلامية في إيران، آية الله علي خامنئي مؤخرًا.
والحقيقة أن هذه التهديدات والتحذيرات تأتي في إطار سلسلة طويلة من التدخلات التي باتت نهجاً ايرانيا غير مقبول الاستمرار في السكوت الخليجي عنه، فباتت نهجًا لتلك الدولة وسمة لسياستها الخارجية التي لا تراعي قيما ولا أعرافًا ولا قوانين دولية.
ان الشواهد التي تثبت التدخل الإيراني السلبي في الشأن البحريني كثيرة والأحداث التي تؤكدها متنوعة وعلى امتداد المراحل المختلفة في تاريخ العلاقات بين البلدين، حتى انه يمكن القول إن إيران كانت ومازالت تتصرف وكأن المملكة جزء من امبراطوريتها، سواء الزائلة أو التي تسعى إلى تحقيقها في المستقبل، رغم ما تدعيه طهران من أنها ليس لديها مطامع في الهيمنة على الخليج العربي. فرغم أن الأمم المتحدة أجرت في العام 1970 استفتاءً للشعب البحريني، الذي صوت للاستقلال عن إيران، وأنهت بريطانيا استعمارها البحرين التي اعلنت استقلالها في أغسطس 1971، إلا أن طهران ظلت تعمل على إثارة القلاقل والاضطرابات في المملكة، ووصل الأمر إلى أن أصدرت الحكومة الإيرانية في العام 1975 قرارا يقضي بضم البحرين - التي أطلق عليها القرار اسم الإقليم الرابع عشر - إلى الأراضي الإيرانية.
وبعد الثورة الإسلامية في طهران عام 1979 تبنت الجمهورية الإيرانية مبدأ تصدير الثورة مما أحدث توترات كثيرة في العلاقات بين إيران ودول الخليج وخاصة مع البحرين التي اتهمت طهران خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات بتمويل جماعات لقلب نظام الحكم وإثارة القلاقل، فاعتقلت مشاركين فيها ورحلت آخرين من أصول إيرانية، وفي العام 1996 كشفت المنامة عن تنظيم سري باسم “حزب الله البحرين” يعمل على قلب نظام الحكم وتلقى تدريباته في طهران.
ثم ظهرت سلسلة من التصريحات الإيرانية الرسمية وغير الرسمية التي تعتبر البحرين جزءا من ايران وتطالب بعودتها اليها ومن بين هؤلاء حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة (كيهان) اليومية والمقرب من القيادة الايرانية، حيث قال في مقال له عام 2007 : ان المطلب الأساسي للشعب البحريني حالياً إعادة هذه المحافظة التي تم فصلها عن إيران إلى الوطن الأم والأصلي، أي إيران الاسلامية، ومن بديهيات الأمور انه لا يمكن.. ويجب عدم التخلي عن هذا الحق المطلق لإيران والناس في هذه المحافظة. وفي فبراير 2009 قال رئيس التفتيش العام بمكتب المرشد العام للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي أكبر ناطق نوري: إن البحرين كانت في الأساس المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة وكان يمثلها نائب في مجلس الشورى الوطني.
وجاءت ازمة الاحتجاجات الطائفية بالمملكة في 14 فبراير 2011 لتكشف بشكل واضح الدور الإيراني السلبي وتمسكها بمبدأ تصدير الثورة، فقد قامت طهران باستدعاء السفير السعودي والسفيرة السويسرية التي تتولى تمثيل المصالح الأميركية في إيران والقائم بالأعمال البحريني لتقديم احتجاج رسمي على إرسال قوات خليجية إلى البحرين.. وتأكيدها أن هذا الأمر سيزيد الوضع تعقيدًا وسيحول الأزمة إلى أزمة إقليمية، وصرح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد “ان دخول قوات خليجية من درع الجزيرة إلى البحرين هو عمل مشين سيبوء بالفشل، كما أعلن وزير خارجيته علي أكبر صالحي أن دخول قوات خليجية إلى البحرين غير مقبول، وأنها لن تقف مكتوفة الأيدي في حالة تدخل قوات درع الجزيرة، ودعا في رسالة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ضرورة التحرك العاجل والتدخل الفوري لإنهاء العنف في البحرين.
ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل أعلن الرئيس أحمدي نجاد عن مبادرة إيرانية لحل الأزمة البحرينية ليكشف عن وجود دور ورغبة إيرانية في استغلال الظروف والتغييرات التي تمر بها المنطقة العربية في الوقت الراهن من اجل فرض هيمنتها وبسط توجهاتها على مجمل الأحداث.
الواضح إذن أن التدخل الإيراني السلبي في الشأن البحريني الداخلي واضح وملموس على امتداد التاريخ تؤكده العديد من الشواهد والأحداث وهو الأمر الذي حال حتى الآن دون بناء علاقات إيجابية بين إيران ودول الخليج بصفة عامة رغم وجود العديد من المقومات والدوافع لهذه العلاقات الإيجابية، حيث إن سمة التدخل هي المسيطرة على العلاقات الإيرانية مع دول الخليج رغم ما يعلن عنه ويصرح به قادة طهران عن رغبتهم في تعزيز العلاقات مع دول الجوار الأمر الذي يتطلب بداية وقبل كل شيء ضرورة احترام قواعد حسن الجوار وأولها وأهمها عدم التدخل في شؤون الغير.
والغريب في أمر التدخل الإيراني أنه لا يقتصر على المملكة فقط بل يكاد يشمل جميع دول الخليج والمنطقة العربية باستثناء القليل منها، ولعل الصمت العربي أو لنقل ضعف رد الفعل العربي تجاه هذه التدخلات هو ما يزيد منها ويعمقها ويجعلها تأخذ أشكالاً تصعيدية ونوعية حيث إنها لا تجد الردع الخليجي والعربي الكافي.
إيران تستغل تفوقها النوعي على أي دولة عربية فردية وتستعرض بعضلاتها وتستقوي بأتباعها هنا وهناك، وسيستمر هذا الوضع مادام الحال على ما هو عليه من ردات فعل خليجية وعربية فردية لأنها لن تكون قادرة على مواجهة طهران بأدواتها التدخلية وسياساتها التوسعية.
عندما دخلت قوات درع الجزيرة المملكة أثناء أزمة 14 فبراير كان ذلك رادعًا قويًا فرض الصمت على الدولة الإيرانية التي لم تستطع أن تحرك ساكنًا، ويجب أن يكون ذلك درسًا مستفادًا لكل دول الخليج بأن اتقاء شرور “الجار” الإيراني هو في موقف خليجي مشترك تجاه هذه الدولة على مختلف الأصعدة.