+A
A-
الأحد 12 أغسطس 2012
للعيد نكهتان: نكهة الحلوى ونكهة والدتي
مشوار “الكليجة” من إنذارات أم خالد إلى مخبز أبوياسر
بدور المالكي:
عذابات انتظار كعك العيد “الكليجة” باللهجة البغدادية في بيتنا العتيق الذي ولدت فيه في الأعظمية، والذي لم تمح الذاكرة صورته أبدا من مخيلتي، كانت للعيد فيه نكهتان نكهة العيد ونكهة “كليجة” أم خالد والدتي رحمها الله.
“كليجة” أم خالد تاريخية فهي تعلمتها من والدتها الانجليزية “ميري” التي حضرت مع عائلتها الانجليزية أيام الاحتلال الانجليزي، ورحلت العائلة، وبقيت “ميري” زوجة لجدي، وعلمت بنات العائلة الكثير من العادات الانجليزية ومنها الـ “English cake” الذي تحول مع السنين إلى “الكليجة” التي قد يستغرق تحضيرها وإعدادها أسبوعا كاملا قبل العيد، إذ تبدأ والدتي “أولا بجرنا وراءها” كالخراف “ونحن صائمين إلى السوق، كان أبي يرفض هذه المهمات والاستعدادت، ويتذمر قائلا لماذا هذا “الإنذار” الذي يستمر أسبوعا، بالإمكان شراؤه جاهزا وهو اقل تكلفة “ووجع راس” من اعداده في البيت ولكن “أم خالد” تستمر ولا تقف عند تهديد أو وعيد، وبعد قضاء ساعات في السوق لشراء “الفستق والجوز واللوز” ثم الطحين والسميد وبهارات “الكليجة” والسمن البلدي الخاص وماء الورد والقوالب الخشبية والبلاستيكية التي اختفت أشكالها الآن، والتي نستخدمها للعراك فيما بيننا وتكسير أثاث البيت. بعد الانتهاء من مراسم التجهيز التي تستغرق يومين أو ثلاثة تبدأ مراسم “التخمير” التي تستمر يومين حتى يعبق البيت برائحة “الكليجة” الزكية وبعضنا يدخل إلى المطبخ فقط “للشم” وتذوق الرائحة، وكنا نختلس فترة انشغال والدتي لنتذوق طعم “الطين المخمر” ونحاذر أن نقع تحت هذا الجرم الكبير... وعقابه.
وبعد أسبوع من الانتظار تبسط والدتي العدة لنجلس جميعا حولها كنا 8” صبيان و4 صبايا”، وكنا نحب هذه الجلسة لنلتف كالحلزون حول أمي ومساعداتها من زوجات العم والخال والخالات والعمات.صراحة، كان دورنا الشكلي ينحصر في “دق” القوالب لإخراج “الكليجة” أو الكعك من قالبه، ولكن دورنا الفعلي كان هو أكل اللوز والجوز والفستق المخلوط بالسكر والدارسين أو القرفة كما يعرفها أهل الشام وكنا أحيانا نغافلهم لنسرق الصحن كاملا ونخرج به “لنتخاصم” حول من يأكله أولا إلى أن يصل بنا الأمر إلى نثره بالأرض وخروج احدنا “مضروبا” من المعركة ليكون جاسوسا لوالدتي لإخبارها بالواقعة فلا ننال من “أم خالد” الا الوعيد والتهديد الذي لم تنفذ منه شيئا طوال حياتها.
ترص “الكليجة” على الصواني حتى يحملها إخوتي الكبار إلى مخبز أبوياسر جارنا، وتبدأ المشاكل فكل إخوتي يرفضون حملها إلى المخبز، ويأتي أخيرا الوالد ويحملها بسيارته معهم. الانتظار لتذوق طعم ونكهة “الكليجة، قد يطول أحيانا إلى الفجر أو قبل أذان صلاة الفجر بوقت قصير لتوضع الصواني حتى تبرد تماما ثم ترص في الأواني المخصصة لها وبعد أن تم القضاء على صينيتين أو أكثر، وكان همنا الكبير من يفوز بأكل اكبر كمية من “كعك العيد” خصوصا ان بعضنا وضع علامات يعرفها هو على الصواني للإشارة إلى أن هذه الصينية محشوة فستق أو تمر، كنا نستمتع بأكلها ساخنة، فطعمها ونكهتها وحلاوتها هي نكهة وحلاوة قدوم وحلول العيد، حتى أن بعضنا يصاب بالإسهال من كثرة ما يأكل من “كليجة”، وكان للعيد حلاوة و”لكليجة” أم خالد حلاوة وطعم آخر لا نحسه الا بحلول العيد فأصبحت تميمية لقدوم العيد نفسه.
رحلت أم خالد رحمها الله من عالمنا، ورحلت معها “الكليجة” ونكهة العيد وافترقنا نحن الإخوة بعضنا في غرب المعمورة وبعضنا في شرقها.. وعندما يأتي العيد نتصل لنبارك لبعض، ونترحم على أيام العيد الماضية ونكهة “كليجة” أم خالد، وعندما نزور بعضنا بالعيد فإن الكعك والحلويات الجاهزة أصبحت بديلا عن “حلويات” أم خالد ولكنها أبدا لن تعبق أو تضم نكهة أو تروي ذكرياتنا التي سلبتها منها الايام عنوة.
عذابات انتظار كعك العيد “الكليجة” باللهجة البغدادية في بيتنا العتيق الذي ولدت فيه في الأعظمية، والذي لم تمح الذاكرة صورته أبدا من مخيلتي، كانت للعيد فيه نكهتان نكهة العيد ونكهة “كليجة” أم خالد والدتي رحمها الله.
“كليجة” أم خالد تاريخية فهي تعلمتها من والدتها الانجليزية “ميري” التي حضرت مع عائلتها الانجليزية أيام الاحتلال الانجليزي، ورحلت العائلة، وبقيت “ميري” زوجة لجدي، وعلمت بنات العائلة الكثير من العادات الانجليزية ومنها الـ “English cake” الذي تحول مع السنين إلى “الكليجة” التي قد يستغرق تحضيرها وإعدادها أسبوعا كاملا قبل العيد، إذ تبدأ والدتي “أولا بجرنا وراءها” كالخراف “ونحن صائمين إلى السوق، كان أبي يرفض هذه المهمات والاستعدادت، ويتذمر قائلا لماذا هذا “الإنذار” الذي يستمر أسبوعا، بالإمكان شراؤه جاهزا وهو اقل تكلفة “ووجع راس” من اعداده في البيت ولكن “أم خالد” تستمر ولا تقف عند تهديد أو وعيد، وبعد قضاء ساعات في السوق لشراء “الفستق والجوز واللوز” ثم الطحين والسميد وبهارات “الكليجة” والسمن البلدي الخاص وماء الورد والقوالب الخشبية والبلاستيكية التي اختفت أشكالها الآن، والتي نستخدمها للعراك فيما بيننا وتكسير أثاث البيت. بعد الانتهاء من مراسم التجهيز التي تستغرق يومين أو ثلاثة تبدأ مراسم “التخمير” التي تستمر يومين حتى يعبق البيت برائحة “الكليجة” الزكية وبعضنا يدخل إلى المطبخ فقط “للشم” وتذوق الرائحة، وكنا نختلس فترة انشغال والدتي لنتذوق طعم “الطين المخمر” ونحاذر أن نقع تحت هذا الجرم الكبير... وعقابه.
وبعد أسبوع من الانتظار تبسط والدتي العدة لنجلس جميعا حولها كنا 8” صبيان و4 صبايا”، وكنا نحب هذه الجلسة لنلتف كالحلزون حول أمي ومساعداتها من زوجات العم والخال والخالات والعمات.صراحة، كان دورنا الشكلي ينحصر في “دق” القوالب لإخراج “الكليجة” أو الكعك من قالبه، ولكن دورنا الفعلي كان هو أكل اللوز والجوز والفستق المخلوط بالسكر والدارسين أو القرفة كما يعرفها أهل الشام وكنا أحيانا نغافلهم لنسرق الصحن كاملا ونخرج به “لنتخاصم” حول من يأكله أولا إلى أن يصل بنا الأمر إلى نثره بالأرض وخروج احدنا “مضروبا” من المعركة ليكون جاسوسا لوالدتي لإخبارها بالواقعة فلا ننال من “أم خالد” الا الوعيد والتهديد الذي لم تنفذ منه شيئا طوال حياتها.
ترص “الكليجة” على الصواني حتى يحملها إخوتي الكبار إلى مخبز أبوياسر جارنا، وتبدأ المشاكل فكل إخوتي يرفضون حملها إلى المخبز، ويأتي أخيرا الوالد ويحملها بسيارته معهم. الانتظار لتذوق طعم ونكهة “الكليجة، قد يطول أحيانا إلى الفجر أو قبل أذان صلاة الفجر بوقت قصير لتوضع الصواني حتى تبرد تماما ثم ترص في الأواني المخصصة لها وبعد أن تم القضاء على صينيتين أو أكثر، وكان همنا الكبير من يفوز بأكل اكبر كمية من “كعك العيد” خصوصا ان بعضنا وضع علامات يعرفها هو على الصواني للإشارة إلى أن هذه الصينية محشوة فستق أو تمر، كنا نستمتع بأكلها ساخنة، فطعمها ونكهتها وحلاوتها هي نكهة وحلاوة قدوم وحلول العيد، حتى أن بعضنا يصاب بالإسهال من كثرة ما يأكل من “كليجة”، وكان للعيد حلاوة و”لكليجة” أم خالد حلاوة وطعم آخر لا نحسه الا بحلول العيد فأصبحت تميمية لقدوم العيد نفسه.
رحلت أم خالد رحمها الله من عالمنا، ورحلت معها “الكليجة” ونكهة العيد وافترقنا نحن الإخوة بعضنا في غرب المعمورة وبعضنا في شرقها.. وعندما يأتي العيد نتصل لنبارك لبعض، ونترحم على أيام العيد الماضية ونكهة “كليجة” أم خالد، وعندما نزور بعضنا بالعيد فإن الكعك والحلويات الجاهزة أصبحت بديلا عن “حلويات” أم خالد ولكنها أبدا لن تعبق أو تضم نكهة أو تروي ذكرياتنا التي سلبتها منها الايام عنوة.
